بقلم/ د. فايزة سعيد كاب، باحثة جزائرية في الشؤون الصينية والعلاقات الصينية الدولية
في الأول من يوليو عام 2026، تحل الذكرى الخامسة بعد المائة لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، وهي مناسبة تتجاوز طابعها الرمزي لتشكل محطة تاريخية لمراجعة مسار قرن من التحولات العميقة التي أعادت صياغة الصين ودورها في النظام الدولي. فمنذ عام 1921، ارتبط مسار الحزب بمشروع وطني شامل هدف إلى إنهاء حالة الضعف والتجزئة والتبعية الخارجية، وبناء دولة حديثة تقوم على أسس الاستقلال والسيادة والتنمية، ضمن مسار تبلور لاحقًا تحت عنوان "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية”. وقد أتاح هذا الإطار الجمع بين المرجعية الاشتراكية ومتطلبات الواقع الوطني، بما سمح بصياغة نموذج تنموي خاص بالصين، لا يستنسخ تجارب الآخرين، بل ينطلق من خصوصية التاريخ والبنية الاجتماعية والاقتصادية للدولة.
وفي هذا السياق، تدرجت التجربة الصينية عبر مراحل متعاقبة، قوامها ما يمكن وصفه بالخصائص الصينية في الحكم والتنمية، وأبرزها: مركزية دور الحزب في قيادة الدولة، أولوية الاستقرار السياسي بوصفه شرطًا للتنمية، والتخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، إلى جانب المرونة في استخدام آليات السوق ضمن إطار الدولة الموجهة. وقد أسس هذا التوازن لنموذج يجمع بين الفاعلية المؤسسية والقدرة على التعبئة، وربط الشرعية السياسية بقدرة النظام على تحقيق التنمية وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
وجاء التحول الاقتصادي الأكبر مع إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح عام 1978، التي جسدت إحدى أهم تجليات الخصائص الصينية في الاقتصاد، من خلال الدمج بين اقتصاد السوق والتخطيط الكلي للدولة. فلم يكن الانفتاح مجرد انتقال اقتصادي، بل عملية إعادة بناء تدريجية للنموذج التنموي، سمحت بتوظيف الاستثمار الأجنبي، وتوسيع القاعدة الصناعية، والانخراط في العولمة الاقتصادية وفق شروط وطنية. ونتيجة لذلك، أصبحت الصين أكبر قاعدة صناعية في العالم، وأحد أهم مراكز سلاسل الإمداد العالمية، مستفيدة من قدرة الدولة على توجيه الموارد وتخطيط التنمية على المدى الطويل.
وقد انعكست هذه الخصائص على البنية الاجتماعية بصورة عميقة، حيث حققت الصين إنجازًا تاريخيًا في مكافحة الفقر وفق النموذج الصيني، عبر انتشال مئات الملايين من السكان من الفقر خلال عقود قليلة. كما توسعت منظومات التعليم والصحة والضمان الاجتماعي والإسكان، في إطار ما يُعرف بالتنمية الشاملة المتوازنة. ومع ذلك، ما تزال تحديات مثل الشيخوخة السكانية والفجوات الإقليمية قائمة، ويتم التعامل معها عبر سياسات تخطيطية طويلة الأمد تعكس طبيعة الدولة التنموية في الصين.
وفي العقد الأخير، دخلت الصين مرحلة جديدة تعكس تطور الخصائص الصينية في التحديث صيني النمط تحت قيادة الرئيس شي جين بينغ، حيث تعززت مركزية الحزب في توجيه التنمية، وتم الانتقال إلى مفهوم "التنمية عالية الجودة” الذي يركز على الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة. كما برز مفهوم "الرخاء المشترك” باعتباره تعبيرًا عن البعد الاجتماعي للنموذج الصيني، من خلال السعي إلى تقليص الفوارق وتعزيز العدالة التنموية، بما ينسجم مع فكرة أن التنمية ليست نموًا اقتصاديًا فقط، بل عملية إعادة توزيع واسعة لثمار التحديث.
وفي صميم هذا المسار، لعبت الاشتراكية ذات الخصائص الصينية دور الإطار الحاكم الذي سمح بمرونة سياسية واقتصادية مدروسة، حيث لم تُفصل التنمية عن الاستقرار، ولا الاقتصاد عن الدور القيادي للدولة. كما ارتبط ذلك بتعزيز الاعتماد على الذات في المجالات الاستراتيجية، وتطوير الابتكار المحلي بوصفه محركًا رئيسيًا للنمو المستقبلي، وهو ما يعكس انتقال الصين من "نمو قائم على الكثافة” إلى "نمو قائم على الجودة”.
وبالتوازي مع هذا التحول الداخلي، تطور الدور الخارجي للصين تدريجيًا وفق خصائص السياسة الخارجية الصينية القائمة على الاستقلالية وعدم التدخل والتعاون التنموي. ففي مرحلة مبكرة، ارتبطت السياسة الخارجية بدعم حركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، في إطار موقف مبدئي مناهض للاستعمار. وقد شمل ذلك دعمًا سياسيًا ومعنويًا لعدد من حركات التحرر، ضمن سياق عالمي كانت فيه قضايا الاستقلال محور التحولات الدولية.
ومع توسع القوة الاقتصادية، انتقل هذا الدور إلى ما يمكن وصفه بـالنموذج الصيني للتعاون التنموي، حيث أصبحت التنمية الاقتصادية أساسًا للعلاقات الدولية. وتركز هذا التوجه على مشاريع البنية التحتية والطاقة والنقل والاتصالات، بما يعزز الترابط الاقتصادي ويخدم التنمية المحلية في الدول الشريكة. ومن أبرز النماذج المبكرة مشروع سكة حديد تنزانيا–زامبيا (TAZARA)، الذي يعكس منطق التعاون التنموي القائم على دعم التكامل الاقتصادي في إفريقيا.
ومع إطلاق مبادرة "الحزام والطريق” عام 2013، تجسد هذا التوجه في إطار عالمي واسع، يقوم على ربط القارات عبر شبكات النقل والطاقة والبنية التحتية الرقمية، بما يعكس أحد أهم أبعاد الخصائص الصينية في الانفتاح الخارجي: السعي إلى بناء ترابط اقتصادي عالمي دون فرض نماذج سياسية موحدة، بل عبر التنمية المشتركة.
وفي المرحلة الراهنة، تقدم الصين نموذجًا للتعاون الدولي يقوم على "التنمية المشتركة” وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مدعومًا بمؤسسات مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، والمشاركة في حفظ السلام، وتقديم المساعدات التنموية. ويستند هذا التوجه إلى رؤية مفادها أن التنمية هي المدخل الأكثر استدامة للاستقرار العالمي، وأن تقليص فجوات النمو يمثل شرطًا أساسيًا لتوازن النظام الدولي.
كما يطرح الخطاب الصيني مفهوم "مجتمع المستقبل المشترك للبشرية” بوصفه امتدادًا فلسفيًا للخصائص الصينية في التفكير الدولي، حيث يقوم على إدراك ترابط المصير الإنساني، وأن التحديات العالمية، من الفقر إلى تغير المناخ والأوبئة، لا يمكن مواجهتها إلا عبر التعاون والتنسيق المشترك.
وبعد 105 أعوام على تأسيسه، تقدم التجربة الصينية نموذجًا مركبًا يقوم على الاشتراكية ذات الخصائص الصينية بوصفها إطارًا حاكمًا لمسار الدولة والتنمية والعلاقات الدولية. فهي تجربة أعادت تعريف العلاقة بين الدولة والسوق، وبين الحزب والتنمية، وبين الداخل والخارج، في إطار نموذج خاص مكّن الصين من تحقيق تحول تاريخي عميق، جعلها أحد أهم الفاعلين في إعادة تشكيل موازين النظام العالمي في القرن الحادي والعشرين.