ليست الحياةُ طريقًا مستقيمًا؛ فهي تمضي بين يدٍ تمتدُّ لتبني، وأخرى تمتدُّ لتختطف. وبين من يزرعُ الفرصةَ في طريقِ إنسان، ومن يسرقُها قبل أن تُزهر. وهنا تتجلّى أعظمُ معاركِ الوجود؛ معركةُ البناءِ في وجهِ الاختطاف.
فالفرصُ ليست أوراقًا تُمنح، بل نوافذُ نورٍ تُفتح. وما أجملَ أن يجدَ الإنسانُ من يؤمنُ بقدراتِه، ويمدُّ إليه يدًا تعينه على الصعود. فكم من كلمةِ تشجيعٍ صنعت عالِمًا، وكم من فرصةٍ عادلةٍ صنعت قائدًا، وكم من ثقةٍ صادقةٍ أعادت لإنسانٍ إيمانَه بنفسه.
لكن، في الجهةِ الأخرى، يقفُ من يختطفُ الفرص. لا لأنه يحتاجُ إليها، بل لأنه يخشى أن يرى غيرَه ينجح. فيُطفئُ مصباحًا كان قادرًا على إنارةِ طريقٍ طويل، ويكسرُ جناحًا كان يستعدُّ للتحليق.
وليست الشخوصُ وحدها من تُختطف، بل قد تُختطفُ القيمُ من النفوس، والرحمةُ من القلوب، والضمائرُ من أصحابها. وحين يُختطفُ الضمير، يصبحُ الظلمُ رأيًا، والخداعُ مهارةً، واستغلالُ الضعفاءِ وسيلةً يبررها صاحبُها لنفسه.
ومع ذلك، يبقى في الحياةِ وجهٌ آخر؛ وجهُ الذين يُعيدونَ ما اختُطف. يعيدونَ الثقةَ إلى مكسورِ الخاطر، ويعيدونَ الأملَ إلى من أرهقَه الانتظار، ويمنحونَ الفرصةَ لمن حُرمها، ويقفونَ إلى جانبِ من كادَ يسقط. هؤلاء لا يصنعونَ المعروفَ فحسب، بل يُرمِّمونَ ما كسرتهُ قسوةُ الأيام.
إنَّ الإنسانَ لا يُقاسُ بما امتلك، بل بما أنقذ. فقد يُنقذُ كلمةً من التشويه، أو حلمًا من الانطفاء، أو طفلًا من الاستغلال، أو عقلًا من الضياع، أو قلبًا من اليأس. وكلُّ نجاةٍ يصنعها إنسانٌ لإنسان، هي انتصارٌ للحياة.
ويبقى السؤالُ الذي يواجهُ كلَّ واحدٍ منا: أيُّ يدٍ نريدُ أن نكون؟ اليدُ التي تفتحُ الأبواب، أم اليدُ التي تغلقها؟ اليدُ التي تُنبتُ الأمل، أم اليدُ التي تقتلعُه؟ اليدُ التي تصنعُ الإنسان، أم اليدُ التي تختطفُ إنسانيتَه؟
فما بين الاختطافِ والإنقاذِ... يولدُ الفرقُ بين من يتركُ أثرًا يُحيي، ومن يتركُ جرحًا لا يندمل. والتاريخُ لا يحفظُ أسماءَ الذين سرقوا النور، بل يخلِّدُ الذين أشعلوا شمعةً في وجهِ العتمة.