قال أستاذ التاريخ العربي المعاصر علي محافظة إن المثقفين والمفكرين العرب في تحليل أوضاعنا السياسية والمشكلات التي تواجهنا ذهبوا إلى النظريات الغربية التي وُضعت أصلاً لفهم المجتمعات الغربية وتطورها، لكن قلة منهم انتبهوا إلى تركيبة المجتمعات العربية الحقيقية.
وأضاف -في حوار للجزيرة نت، حول كتابه الصادر حديثا بعنوان "المعارضة السياسية الأردنية في مئة عام 1921-2021"- أن المجتمعات العربية عامة مجتمعات قبلية، إذ لا تزال القبلية من أيام ابن خلدون تلعب دورها في المجتمعات العربية بمستويات مختلفة وبشدة وخفة مختلفة، معتبرا أن أقل بلدين تأثرا بالعشائرية هما مصر وتونس.
وأعرب محافظة عن تبنيه وجهة نظر الوردي، مستدركا أن المجتمع الأردني لا يختلف عن المجتمع السوري أو اللبناني أو العراقي، إذ "يغلب الولاء أولا للأسرة، ثم العشيرة، وللمنطقة التي يعيش فيها، وأخيرا يأتي الولاء للوطن، موضحا أنه رغم تأثرنا بالنظريات الغربية في الوطنية والقومية، وسعينا إلى بناء مجتمعات على الطراز الغربي؛ فإن هذه المسائل أتت جميعها بالفشل حتى هذه الساعة".
محافظة صدر له 33 كتابا في تاريخ الفكر، وتناول بعضها الأوضاع الاقتصادية في الحياة السياسية بعد وحدة الضفتين (1950)، وأرخ لنشوء الأحزاب العقائدية، ومنها حزب البعث، وحركة القوميين العرب، والحزب الشيوعي، وجماعة الإخوان المسلمين، والحزب الوطني الاشتراكي، الذي كان حزبًا محليا أو وطنيا إصلاحيا.
ويرى محافظة أن القبيلة/العشيرة كان لها دور إيجابي في الحياة الحزبية، ولها دور سلبي أيضا، مشيرا إلى أن الأول في الخمسينيات والستينيات عندما كان المناضلون الحزبيون من أبنائها يُعتقلون، وكانت الأسرة أو العشيرة تتضامن معهم وتدعمهم وتعتني بأولادهم وبأسرهم، وتفخر وتعتز بهم، مما يشجعهم على المضي في نضالهم؛ وهذا الجانب الإيجابي، حسب محافظة.
أما الجانب السلبي فقد اتضح في موقف الحكومات المتوالية من المعارضة السياسية، باتباع أساليب مختلفة، منها: إضعاف الولاء الأسري لدى هؤلاء الناس، وإيجاد قيادات موالية تحظى بالمكاسب، والتأثير على الحزبيين بإعطاء بعضهم مناصب في الدولة، والثالث بتفتيت الأحزاب من الداخل، وبث عدم الثقة بين منتسبيها.
وفسر محافظة -الذي تسلم رئاسة جامعتي اليرموك ومؤتة- جذور المعارضة القديمة التي نشأت قبل تأسيس الدولة في ارتباطها بالقبيلة وقيمها البدوية، وأهمها قيمة الغزو، وهو مبدأ ضد إقامة الدولة وتكوينها، وهذا النموذج يمثل جزءا من نماذج مكونات العقلية العربية والنظرة إلى قيام الدولة.
محافظة فسّر جذور المعارضة القديمة التي نشأت قبل تأسيس الدولة في ارتباطها بالقبيلة وقيمها البدوية، وأهمها قيمة الغزو، وهو مبدأ ضد إقامة الدولة وتكوينها، وهذا النموذج يمثل جزءا من نماذج مكونات العقلية العربية والنظرة إلى قيام الدولة.
وفي إجابته على "النموذج الخلدوني" بمقاربة المجتمع القبلي العربي الراهن، بيّن صاحب كتاب "الاتجاهات العربية المعاصرة" أن مقولات ابن خلدون لم تعد موجودة بسبب أن "المجتمعات العربية تغيرت، فلم تعد هناك أسر مثل الأمويين أو العباسيين والعلويين التي تنادي بوحدة الأمة وتشكل حزبا، وأن المفهوم الخلدوني طرأ عليه تغير وتحول نحو هذا الأمر".
وبيّن محافظة أن حضور المعارضة القوي أول 4 سنوات من حكم الأردن كان لقيام الدولة في ذلك الوقت على جهود جماعة حزب الاستقلال (تأسس في دمشق 1918)، وحينما جاؤوا للأردن بعد هزيمة الدولة الفيصلية -ومنهم رشيد طليع- كانوا يطمحون إلى دولة مثل دولة فيصل التي وضعوا دستورها، وهو أكثر دستور ديمقراطي حقيقي في الوطن العربي، وكانوا يتوقعون أن تكون هناك انتخابات نيابية، لكن الإنجليز لم يكونوا يوافقون على ذلك، ولا يريدون أي وعي سياسي يكون خطرا على وجودهم في فلسطين وتنفيذ المشروع الصهيوني.
حضور المعارضة القوي أول 4 سنوات من حكم الأردن كان لقيام الدولة في ذلك الوقت على جهود جماعة حزب الاستقلال (تأسس في دمشق 1918)، وحينما جاؤوا للأردن بعد هزيمة الدولة الفيصلية كانوا يطمحون إلى دولة مثل دولة فيصل التي وضعوا دستورها، وهو أكثر دستور ديمقراطي حقيقي في الوطن العربي، وكانوا يتوقعون أن تكون هناك انتخابات نيابية، لكن الإنجليز لم يكونوا يوافقون على ذلك ولا يريدون أي وعي سياسي يكون خطرا على وجودهم في فلسطين وتنفيذ المشروع الصهيوني.
وقال إن الإنجليز أسهموا في إضعاف المعارضة بالتفرقة بأسلوب "فرق تسد"، في العشيرة الواحدة والمذهب الواحد، والتركيز على حماية الأقليات، وكانوا يركزون في التقارير السنوية التي تبعثها حكومة الانتداب على موضوع حماية الأقليات اللغوية والإثنية في المنطقة. فضلا على اختراق البنى الاجتماعية باستمالة أنصار يؤيدونهم، فلجؤوا إلى شيوخ العشائر وبعض الرأسماليين، ونجحوا في جذب هؤلاء إليهم، وهو ما أسهم في تفكيك المجتمع وإضعاف المعارضة السياسية.
واستدرك محافظة أنه "رغم ذلك، هناك تيار وطني وقومي وإسلامي، وقوة التيار القومي والوطني ارتبطت بوجود الطبقة الوسطى في المدن، التي لعبت دورا أساسيا في التحرر الوطني، في حين كانت استجابة الريف والبادية للحركة الوطنية ضعيفة، غير أن انتشار التعليم على نطاق واسع هيّأ للمشاركة الفعالة في الحركة الوطنية أو المعارضة السياسية، وتحديدا في الخمسينيات والستينيات، وهي فترة الازدهار الاقتصادي، وتأثر الناس بالقضية الفلسطينية عام 1948".
وعن تأثير القضية الفلسطينية على تصاعد حركة المعارضة، عرض محافظة تجربته الخاصة وتجربة جيله التي بدأت في المدرسة، وفي الصف السابع (آخر صف بالمرحلة الابتدائية) حين نظمت المدرسة رحلة للكشافة إلى القدس، وحينما وصلنا إلى باب العامود جاء الباعة، وسألونا: من أين أنتم؟ قلنا: نحن من إربد. فلم يأخذوا منا المال، وقالوا أنتم من بلد عبد الله التل الذي يدافع عن القدس. هكذا يسرد بدايات الوعي بالقضية الفلسطينية.
في الصف السابع حين نظمت المدرسة رحلة للكشافة إلى القدس، وحينما وصلنا باب العامود جاء الباعة، وسألونا: من أين أنتم؟ قلنا: نحن من إربد. فلم يأخذوا منا المال، وقالوا أنتم من بلد عبد الله التل الذي يدافع عن القدس.
ويقول إنه عند انتقالنا للمدرسة الثانوية في إربد، كنا نرى على بعد نحو 30 مترا مخيم اللاجئين الفلسطينيين، ويذكرنا صباح مساء بمأساة القضية الفلسطينية، وهنا بدأ السؤال: لماذا هُزمنا في فلسطين؟ ومن المسؤول عن الهزيمة؟ فبدأت الأحزاب السياسية تشرح لنا؛ بدأ الإخوان المسلمون وحزب التحرير الإسلامي وحزب البعث العربي الاشتراكي، وحركة القوميين العرب، والحزب الوطني السوري، وقتها بدأ الوعي يتبلور.
ويتابع "كانت التعبئة الحزبية تركز على أمرين: ضعف العرب مسؤول عن الهزيمة، وأننا بحاجة لتنظيم جديد ومجتمع جديد ودولة جديدة كي نسترد كرامتنا ونحقق النصر لأمتنا".
مثل هذه الأفكار بدأت تتشكل في الخمسينيات، غير أن النهضة الحقيقية للنشاط بدأت مع انتشار التعليم منتصف الستينيات في الأردن وفلسطين في عهد الملك حسين، حينما صدر قانون التربية والتعليم رقم 16 لسنة 1964، الذي جاء فيه "تفتح مدرسة حيثما يوجد 10 من الأطفال". وهذه كانت بداية ثورة ثقافية في الأردن، وفي الضفتين، ووفرت مناخا للوعي السياسي.
وعن دور المثقفين في إطار الحركات السياسية والمعارضة وصوغ الخطاب السياسي، يقول صاحب كتاب "الفكر السياسي في الأردن من 1916-1946" إن "المثقفين الأردنيين كان لديهم شعور بأن جماعة حزب الاستقلال احتلوا المناصب العليا في الدولة وحرموا الأردنيين منها، لذلك تحالفوا مع الحركة العشائرية.
لكن "الدور الأهم للمثقفين كان بُعيد عودة الطلبة الدارسين في أوروبا والدول العربية، وتحديدا الجامعة الأميركية التي أتاحت نافذة على العالم من خلال تعلمهم اللغة الإنجليزية والتعرف على النظريات الغربية والتطورات السياسية في الغرب والفلسفات الغربية، وشكلت مركزا مهما من مراكز الوعي القومي عند العرب".