في رسالة اليوم العالمي للمسرح التي كتبها هذا العام المخرج الأميركي بيتر سيلرز، تساءل: "أين هي اللغة، وما هي الحركات والصور التي تسمح لنا بفهم التحولات والتمزقات العميقة التي نمر بها، وكيف يمكننا نقل مضمون حياتنا الآن ليس كريبورتاجٍ صحفي بل كتجربة؟"، ليأتي جوابه بالتأكيد: "المسرح هو الشكل الفني للتجربة".
ستوّن عاماً مرّت على إرساء تقليد الاحتفال في السابع والعشرين من آذار يوماً عالمياً للمسرح، والذي يركّز هذه العام على الجيل القادم من المسرحيين الذين يؤمل منهم تقديم تجارب لافتة في زمن يشهد فيه الفن الرابع تحدّيات كبرى، بدءاً من انحسار الجمهور ومروراً بأسئلة الرقمنة والذكاء الاصطناعي وتأثيراتها المتواصلة، وليس انتهاء بغياب النقد الذي من شأنه تطوير شكل العرض المسرحي وأدواته.
يضاف إلى ذلك كلّه، انتشار فيروس كورونا منذ أكثر من عامين، كما أشار الناقد والمخرج المسرحي باسم دلقموني في حديثه لوكالة الانباء الاردنية (بترا)، الى تراجع الزخم في العروض، وما تركه الوباء من تأثيرات نفسية على صنّاع المسرح مع حالة الإحباط التي أصابت قطاعات عديدة في حياتنا، معتبرا ان عودة المهرجانات سيكون لها دورها في تجديد المشهد المسرحي الأردني ومنحه الحيوية والنشاط.
وفي الوقت، لا يغفل الدلقموني وجود معيقات مختلفة تواجه المسرحي الأردني مثل شحّ الإمكانات المالية وتراجع الاهتمام بالثقافة والفنون وفي مقدمتها المسرح، حيث لا ينال المخرج دعماً يفي باحتياجات مسرحيته التي يعرضها في أيّ من مهرجانات وزارة الثقافة.
ورأى أن ثمة مشكلة أخرى تتعلّق بندرة النصوص الأردنية المكتوبة للمسرح على مستوى الكم والنوع، قياساً بفترة سابقة برز فيها كتّاب متميزون مثل الراحل جمال أبو حمدان (1944 – 2015) الذي قدّم أعمالاً ذات مستوى راقٍ، داعياً إلى توفير حوافز تدفع إلى إنتاج نصوص جيدة.
ونبّه دلقموني إلى غياب المسرح الجامعي بشقيّه المنهجي وغير المنهجي، إذ ترك إلغاء المسرح كتخصّص أكاديمي في جامعة اليرموك بعد أن أصبح يدرّس كمادة جامعية حرّة، تأثيراً سلبياً على الحركة المسرحية، مع وجود قسم وحيد في الجامعة الأردنية، كما توقّف النشاط غير المنهجي من خلال عروض الهواة التي كانت تقدّم في معظم الجامعات الأردنية، وتشكل رافداً آخر للمسرح في البلاد.
وختم بقوله، إن المسرح هو ثقافة وفلسفة منذ نشأته عند الإغريق حيث نال لديهم أهمية كبرى تعادل مكانة العمارة والطب وغيرها من العلوم، وكانوا يقيمون كلّ عام احتفالات مهيبة يكون المسرح حاضراً أساسياً فيها، لدوره في تطوير المجتمعات.
ويرى المخرج والممثل زيد خليل مصطفى أن تطوير المسرح الأردني يبتدئ من المسرحيين أنفسهم الذين تقاعسوا عن تحمّل مسؤولياتهم، واستمرأوا الآلية المتبعة في تقديم أعمال مدعومة من وزارة الثقافة تُعرض عدة مرات ثم توضع على الرف، مشيراً إلى ضرورة الذهاب نحو الإنتاج المستقلّ ليختبر المسرحي مستوى ما يقدّمه من أعمال من خلال شبّاك التذاكر، حيث ستتباين مدة عرض كلّ مسرحية لأيام أو أسابيع أو أشهر، وهو ما يمنح الدعم للمسرحيات التي يستمر عرضها لفترات أطول.
وأكّد مصطفى لـ (بترا) أن الواقع الراهن يفرض مراجعة جدية، فما يقدم على المستوى الكمي جيد نسبياً، لكن من حيث النوعية هناك ملاحظات عديدة تتصل حول شكل الإنتاج وجودته، مبينا أن وزارة الثقافة ترفد المسرح الأردني بخمسة عشر عملاً كلّ عام توزع ضمن ثلاثة مهرجانات هي مهرجانات الأطفال والشباب والمحترفين، مع التحفّظ على تصنيفها.
لكن هذه الآلية، يقول مصطفى، أبقت المسرح في إطار ضيق ولم تؤهله كي يصبح ضرورة يومية حياتية، داعيا إلى عدم انتظار الوزارة لتغيير آلياتها ، وذلك من خلال امتلاك المسرحيين أنفسهم قراراً جريئاً بالذهاب إلى الورش والمختبرات المسرحية التي من شأنها أن تطوّر من جودة عروضهم، واللجوء إلى وسائل جديدة ومتاحة للإعلان عن مسرحياتهم والترويج لها بدلاً من الوسائل التقليدية.
ورأى أن المؤسسة الرسمية تتعامل مع المسرح بوصفه زائداً عن الحاجة، ولا يمكن تغيير هذه النظرة إلا بقرارٍ سياسي من مستوى عالٍ، مستشهداً بمقولة الكاتب والباحثالراحل روكس بن زائد العزيزي (1903 – 2004) بأن علاقة الجمهور الأردني مع الغناء والموسيقى كانت أوثق منها مع المسرح، وهو ما يستدعي استعادة الجمهور حين يؤمن المسرحي بأن المسرح هو ضرورة اجتماعية ونضال دائم.
بدوره استعرض القاص والكاتب المسرحي مفلح العدوان جوانب مضيئة في واقع المسرح الأردني الذي يُدعم بشكل أساسي من وزارة الثقاقة، مشيرا بهذا الخصوص الى عدم وجود رقابةعلى مضمون الأعمال المقدمة التي تتمتع بسقف عالٍ من الحرية، وغياب شروط اختيار النصوص سواء أكانت محلية أو عربية أو عالمية.
ودعا العدوان إلى زيادة الدعم المقدم للأعمال المعروضة في مهرجانات الوزارة، وتغيير آلية الدعم الذي يجب أن يأخذ بالاعتبار كلّ عنصر من عناصر العرض على حدة، فيكون هناك دعم لكتابة نصوص جيدة، ومن ثمّ تسويق هذه النصوص وتقديمها للمخرجين من أجل الاشتغال عليها في مرحلة مقبلة، وبموازاة ذلك عقد ورش تدريبية حول تقنيات المسرح ضمن شراكة تجمع الفرق المسرحية وكليات الفنون في الجامعات.