بعد مرور شهر على بدء الحرب بين حركة حماس وإسرائيل في السابع من أكتوبر الماضي، يشهد الاقتصاد في كل من إسرائيل وفلسطين حالة من الاهتزاز الشديد في جميع القطاعات، ويدفع فاتورة باهظة للتصعيد الحالي، وسط سيناريوهات ضبابية تفرض نفسها على المشهد وتزيد حالة "عدم اليقين الاقتصادي".
ويعاني كل طرف من تداعيات وخسائر كبيرة في ظل استمرار العمليات العسكرية وتصاعد حدة التوترات في المنطقة، في وقت تتمدد فيه تلك الخسائر والأضرار لتشمل بعضاً من دول المنطقة المتأثرة بارتدادات الحرب على قطاعات اقتصادية مختلفة.
تفاقم الحرب تأثيرات سلبية كبيرة على الاقتصادين المحليين وتضعف القدرة على تحقيق النمو والتنمية المستدامة. ففي إسرائيل، يعاني القطاع السياحي على سبيل المثال من انخفاض حاد في عدد الزوار والإقامات الفندقية، مما يؤثر سلباً على الإيرادات السياحية ويزيد من معدلات البطالة والناتج المحلي الإجمالي.
أخبار ذات صلة
القصف الإسرائيلي يدمر مئات المنازل في غزة
بعد شهر على حرب غزة.. الفاتورة الاقتصادية تتصاعد في فلسطين
القصف الإسرائيلي يدمر مئات المنازل في غزة
1.2 مليار دولار حجم الاحتياجات الإنسانية في غزة والضفة
تعد معاناة القطاع السياحي جزءاً من معاناة أكبر تشهدها مختلف القطاعات الاقتصادية مع خسائر باهظة في الأسابيع الأربعة الأخيرة، نتيجة كلفة الحرب وتداعياتها على الأنشطة الاقتصادية كافة ومناخ الاستثمار.
وعلى الصعيد الفلسطيني، يدفع قطاع عزة فاتورة باهظة للدمار الذي خلفته الحرب، فيما يخص البنية التحتية، علاوة على الخسائر الاقتصادية الأخرى نتيجة تعطل النشاط جراء تلك الحرب، فعلى سبيل المثال تعاني الشركات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة من تداعيات التصعيد، حيث تشهد انخفاضًا كبيرًا في الإنتاجية والإيرادات، وتزداد صعوبات تأمين فرص العمل للسكان المحليين.
ومن المثير للقلق أن هذا الصراع الدائر بين إسرائيل وحماس له تداعيات عالمية، حيث يشعر المجتمع الدولي بقلق شديد إزاء تفاقم الأزمة وتأثيرها السلبي على الاقتصادات العالمية.
فيما تتداخل مصالح عدة دول وشركات دولية في المنطقة، وهذا يزيد من خطورة الصراع ويعزز أهمية العمل على إيجاد حل سلمي ومستدام يعيد الاستقرار إلى المنطقة.
وفي 29 أكتوبر الماضي، أصدر مجلس إدارة هيئة سوق رأس المال الفلسطينية، قراراً تنظيمياً ولمدة ثلاثة أشهر، يسمح للشركات المساهمة العامة المدرجة شراء أسهمها دون اشتراط عقد وموافقة الهيئة العامة غير العادية.
ومنذ جلسة 5 أكتوبر وحتى نهاية جلسة 5 نوفمبر الجاري، تراجع مؤشر القدس بنسبة 8.5 بالمئة؛ وفق مسح للبيانات الرسمية.
يُشار إلى تذبذ أسعار النفط (والسيناريوهات التي يفرضها أي تصعيد محتمل على الأسعار)، إلى جانب ارتفاع سعر الغاز الطبيعي، والذي سجل نحو 5 بالمئة، إضافة إلى ارتفاع أسعار الذهب عالمياً.
يُتوقع أن يؤدي استمرار الحرب إلى ارتفاع معدلات التضخم عالمياً وتراجع حجم السياحة الوافدة لمنطقة الشرق الأوسط.
ربما يؤثر أيضاً على إيرادات قناة السويس؛ نتيجة لسيناريوهات انتقال جزء من الصراع لمنطقة البحر الأحمر.
في حالة دخول دول أخرى في نطاق الصراع سيزيد ذلك من المدة الزمنية للحرب والتي قد تستمر لفترة طويلة وبمازيعمق من حجم الخسائر الاقتصادية.
مشاكل هيكلية
ومن جانبه، أشار مستشار البنك الدولي، الدكتور محمود عنبر، في تصريحات خاصة لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إلى أن "إسرائيل منذ فترة ما قبل الحرب الحالية لديها مشاكل هيكلية بالاقتصاد، بسبب الإنفاق المبالغ فيه على الدفاع"، مشيرا إلى أن هذا أحد أهم الأسباب في ارتفاع الأسعار داخل إسرائيل، فضلاً عن تشعب الخسائر بسبب الحرب، أولها سقوط البورصة وانهيار السياحة؛ مما يؤثر على سعر صرف العملة المتدهور من البداية، وبالطبع سيؤثر على الاستثمارات داخل إسرائيل سواء الأجنبية القادمة من الخارج أو الاستثمارات المحلية؛ لأن "رأس المال جبان" ويبحث عن الربح بغض النظر سواء في دولته أو غير دولته.
وعن مدى جدوى الدعم الأميركي المقدم لإسرائيل، يذكر عنبر، أنه رغم الدعم اللامحدود من الولايات المتحدة سواء مادياً أو لوجستياً أو عسكرياً إلا أن التجارب التاريخية تقول إن إسرائيل لا تجيد سياسة النفس الطويل سواء في التعامل مع الأدوات الاقتصادية أو حتى في الأمور العسكرية أو فنون الحروب؛ لأن هناك تأثيرات كبيرة غير مباشرة، ربما هي أخطر وأصعب وأعقد من التأثيرات الاقتصادية المباشرة، على حد تعبيره.
وفي ظل التصعيد الحالي في غزة، تراجع مؤشر (Tase35) لبورصة تل أبيب بنسبة 15 بالمئة، فيما تراجعت أسهم بعض الشركات فيه بأكثر من 35 بالمئة، مقارنة مع إغلاق عشية الحرب.
وفقدت القيمة السوقية للبورصة ما قيمته 25 مليار دولار، قبل أن تقلص خسائرها في تعاملات الأسبوع الماضي، مع ظهور مؤشرات أولية على الخسائر المتوقعة للحرب.
وردًا على ما ذهب إليه البعض من أن كل هذه الخسائر الاقتصادية يمكن أن تعوضها إسرائيل من حلفائها التاريخيين وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، أكد أستاذ الاقتصاد السياسي، أن هناك خسائر أكبر على المدى الطويل (..)، مبرزا في الوقت نفسه تداعيات حالة عدم الاستقرار الأمني وظاهرة الهجرة العكسية التي لها بالطبع تأثيرات خطيرة ومعقدة وصعبة على الاقتصاد الإسرائيلي، فالهجرة العكسية تعني خروج الاستثمارات (..).
ونبه إلى أن استدعاء هذا الكم من الجنود الاحتياط أثر على العمالة، ومن ثم أدى إلى ارتفاع البطالة، وسيزيد أيضاً من معدل التضخم؛ لأن المعروض من السلع والخدمات المنتجة داخل إسرائيل سينخفض، وبالتبعية سيؤثر ذلك على ارتفاع أسعار السلع؛ لأن المعروض منها أقل بكثير من المطلوب، كذلك سيؤثر على سعر صرف العملة، وهذا له تداعياته في حجم التبادل التجاري بين إسرائيل وشركائها.
وفيما يخص سيناريوهات الحرب المحتملة، اعتبر أنه:
سواء توقفت حالة الحرب حالياً أو استمرت فهناك خسائر كبيرة ستزداد بالطبع حال استمرارها، وحتى مع توقف الأحداث الجارية حالياً فإسرائيل أمامها فترة طويلة لإعادة التوازن مرة أخرو (..).
ثمة تقديرات تفيد بأن الإغلاق الجزئي للاقتصاد على النحو الحالي يكبد إسرائيل ما يوازي 2.5 مليار دولار شهرياً.
انتهاء هذه الحرب على هذا الوضع سيكون له تداعياته الوخيمة؛ لأن إعادة التوازن كما كان بالسابق أمر ليس سهلاً، حتى لو استقر الأمر فتظل هذه المنطقة بؤرة توتر.
ستحتاج إسرائيل إلى فترة طويلة جداً حتى تستطيع أن تقنع المستثمر أن هذا مكان آمن وجاذب للعملية الاستثمارية، وهو ما يبحث عنه المستثمر أولا، غير أن إسرائيل حتى بعد انتهاء الحرب تقع تحت وطأة احتمالية اندلاع حرب في أي وقت.
أخبار ذات صلة
الشيكل الإسرائيلي
إسرائيل.. توقعات بانكماش اقتصادي 11% بسبب الحرب
جانب من اجتماعات وزراء تجارة مجموعة السبع في أوساكا
مجموعة السبع قلقة بشأن قيود التجارة التي تفرضها روسيا والصين
ويلفت إلى أنه يتعين الأخذ في الاعتبار التصنيف الائتماني لإسرائيل، مع تحذيرات من وكالات التصنيف الائتماني الأساسية (موديز وفيتش وستاندرد آند بورز)، كما أن البنك المركزي الإسرائيلي مضطر للإعلان عن مجموعة من المساعدات لدعم سعر صرف العملة، وبالفعل قدم دعماً بقيمة 45 مليار دولار.
وأردف: كل هذه التداعيات يمكن إجمالها في رقم متوقع وهو أن هذه الحرب على غزة كلفت إسرائيل عشرات المليارات؛ ومن ثم فإن استمرار هذا الوضع سيعقد الأمور أكثر على إسرائيل.
أظهرت تقديرات إسرائيلية أولية، الأحد، أن الحرب على غزة ستكلف ميزانية الدولة 200 مليار شيكل (51 مليار دولار).
بحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت"، فإن "التقدير الأولي لوزارة المالية لتكلفة الحرب على خزينة الدولة مبني على أن الوضع لن يمتد لأكثر من عام، ولن يتم تطوير ساحات إضافية وسيعود جنود الاحتياط إلى العمل قريباً".
وذكرت الصحيفة أنه "رغم أنه أولي فقط ومتقلب للغاية، ولكن في ظل العديد من الافتراضات الأولية فإن التكلفة ستصل إلى 200 مليار شيكل، أي حوالي 10 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي".
أخبار ذات صلة
دلتا إيرلاينز
"دلتا إيرلاينز" تلغي الرحلات الجوية بين نيويورك وتل أبيب
تل أبيب
مسؤول في مايكروسوفت: الحرب تهدد شركات التكنولوجيا في إسرائيل
خسائر مؤقتة
وفي تصريحات خصّ بها موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، أفاد الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة، بأن الخسائر الإسرائيلية جراء الحرب على غزة هي "خسائر مؤقتة" لإسرائيل؛ لأن الفاتورة دفعتها بالفعل الإدارة الأميركية، حيث وضعت واشنطن 14.5 مليار دولار كفاتورة مبدئية لإسرائيل؛ لذا فلن تكون الخسائر كبيرة لإسرائيل مثلما يتخيل البعض بالرغم من وجود عديد من التقارير منها من يشير إلى تراجع واسع بالأوضاع الاقتصادية الإسرائيلية وانخفاض الشيكل، رغم ضخ عشرات المليارات لتجنب خسائر انخفاض العملة.
ويضيف أنه "على صعيد آخر، نستطيع القول بأن إسرائيل خسرت غير أنها ستسترد جزءاً كبيراً من خسائرها، لكن الخسائر امتدت للدائرة المحيطة بها مثل فلسطين ومصر والأردن وسوريا ولبنان، ومع امتداد الحرب بالتأكيد ستمتد أثرها على عديد من الدول، فمع تدخل الحوثيين مثلاً ستتأثر حركة النقل في البحر الأحمر وبالطبع ستتضرر حركة الشحن".
ينبّه بأنه مع اتساع بؤرة الحرب ستمس الخسائر العالم بأسره، وبالطبع ستكون الأوضاع الاقتصادية في إسرائيل في غاية الصعوبة "ونتنبأ كاقتصاديين بأن التراخي الموجود حاليًا من الأمم المتحدة ومن في يده مقاليد الأمور للضغط على إسرائيل سيعمق الخسائر السياسية والاقتصادية (..)".