لم يعد خافيًا على أحد ما يجري في مؤسساتنا من توظيف أبناء الذوات والمسؤولين فور تخرجهم، بعقود خاصة ورواتب فلكية تصل إلى 2000–5000 دينار شهريًا، وكأنها هدايا وراثية لا تحتاج إلى خبرة ولا إلى منافسة.
يحدث هذا في الوقت الذي يقف فيه أكثر من 400 ألف شاب وشابة عاطلين عن العمل بحسب الإحصاءات الرسمية، كثير منهم يحملون شهادات عليا، وبعضهم ينتظر منذ سنوات وظيفة لا يتجاوز راتبها 300 دينار بالكاد يكفي للمواصلات والفواتير الأساسية ليضطر في نهاية المطاف للعمل كبسطجي لدى (مطاعم الفوال عبين).
الأمر لا يقف عند هذا الحد، لقد أصبحنا أمام مشهد منظم أشبه بالوراثةحيث توريث المناصب لأبناء المسؤولين والذوات، لهم ولاقاربهم وأنسبائهم، أولادهم وبناتهم، زوجات أبنائهم وأزواج بناتهم.
انها سلسلة طويلة من التعيينات، وكأن الوطن تحوّل إلى مزرعة خاصة يتم فيها توزيع الغنائم على العائلة والمحيط القريب.
هذه الممارسات لا تقتل العدالة فقط، بل تدمر ثقة المواطن بالدولة، وتغرس في نفوس الشباب شعورًا بأن الجهد والعلم والتفوق لا قيمة لها أمام "اسم العائلة او منصب ونفوذ باباتي”. ومع الوقت، يتحول الطموح إلى يأس، والانتماء إلى خيبة، والنتيجة مجتمع مفكك فاقد للثقة.
الأخطر من التوريث بحد ذاته هو صمت أصحاب القرار الإداري والأمني وعلى اعلى المستويات، هذا الصمت يرسّخ الظاهرة ويجعلها تبدو وكأنها أمر طبيعي وحقوق مكتسبة لهولاء في مزارع ابائهم، بينما هي في الحقيقة قنبلة موقوتة تهدد الاستقرار الاجتماعي وتفتح الباب أمام فقدان الانتماء والولاء.
ومهما حاولت الحكومة نفي حقيقة توظيف أبناء أصحاب الدولة والمعالي والسعادة والعطوفة برواتب خيالية وبدون وجه حق، فإنها تكون أقرب لأن تُتَّهم بالكذب، لأن الناس يرون الواقع يوميًا.
وإذا كانت الحكومة جادة فعلًا في إثبات صدقيتها ومصداقيتها، فلنفتح ملفات توظيف أبناء المتنفذين برواتب ومناصب مميزة عن بقية الأردنيين، ولتُعرض الحقائق أمام الشعب ولكن اتحدى ان تفعل!!!.
إن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى انهيار العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، فكيف يمكن أن نتحدث عن نهضة أو إصلاح إذا كان معيار التعيين هو النفوذ والقرابة لا الكفاءة؟ وكيف يمكن أن نحلم بتطور حقيقي إذا كانت مؤسساتنا الكبرى تدار بعقلية "التوزيع العائلي" لا بعقلية خدمة الوطن؟!
الحل جلي واضح يتمثل بقطع شرايين التوريث والمحسوبية، وفتح الأبواب للكفاءات عبر قوانين شفافة، منافسات حقيقية، وآليات تعيين علنية. وإلا فإننا سنبقى ندور في حلقة مفرغة من الفساد والظلم، حتى تنفجر القنبلة في وجه الجميع... واعذر من أنذر!!!