يشهد الملف السوري مرحلة توصف بالحساسة، حيث تتقاطع المسارات السياسية مع الوقائع العسكرية على الأرض في صورة معقدة لا تعكسها البيانات الرسمية دائمًا، فبينما تتحدث الأطراف المعنية عن اتفاقات تهدف إلى خفض التوتر وإعادة ترتيب الأوضاع الأمنية، تظهر مؤشرات ميدانية توحي بأن التنفيذ لا يسير بالوتيرة المتوقعة، وفي قلب هذا المشهد تبرز وحدات حماية المرأة كأحد أبرز الأطراف التي تثير الجدل بشأن مستقبلها العسكري ودورها ضمن أي تسوية شاملة.
تعثر التنفيذ بين السياسة والميدان
الاتفاقات التي جرى الإعلان عنها مؤخرًا حملت عناوين كبيرة تتعلق بدمج القوى المحلية ضمن هياكل الدولة وإعادة بسط السيطرة المؤسسية على مناطق الشمال الشرقي، إلا أن التطبيق العملي يواجه تحديات متعددة، من بينها تباين الرؤى بشأن طبيعة الدمج وشروطه، إضافة إلى مخاوف متبادلة بين الأطراف المختلفة، ويشير متابعون إلى أن بطء الخطوات التنفيذية أوجد حالة من الضبابية، حيث لم تتضح بعد آليات محددة تتعلق بمصير التشكيلات العسكرية القائمة، ولا الجداول الزمنية الدقيقة لإعادة الهيكلة الأمنية، ما أبقى الباب مفتوحًا أمام استمرار الواقع القائم دون تغيير جذري.
وحدات حماية المرأة بين الهوية والسلاح
تُعد وحدات حماية المرأة تشكيلًا عسكريًا ذا خصوصية داخل البنية الأوسع للقوى الكردية المسلحة، وقد اكتسبت هذه الوحدات حضورًا لافتًا خلال سنوات الحرب، سواء من حيث الدور القتالي أو الرمزية المرتبطة بمشاركة المرأة في العمل العسكري، ورغم الحديث عن ترتيبات جديدة، لا تزال هذه الوحدات تحافظ على بنيتها وتنظيمها، وهو ما يطرح تساؤلات حول مستقبلها ويمكن تلخيص أبرز نقاط الجدل في ما يلي:
الإصرار على الحفاظ على هوية تنظيمية مستقلة
استمرار برامج التدريب والتسليح
غموض موقعها داخل أي هيكل أمني موحد مستقبلي
هذه العوامل تجعل ملفها من أكثر الملفات تعقيدًا في مسار أي تسوية.
انعكاسات الواقع الحالي على الاستقرار
استمرار وجود قوى مسلحة بهياكل منفصلة، حتى في ظل تفاهمات سياسية، يضعف فرص الوصول إلى استقرار طويل الأمد فغياب الوضوح حول مرجعية السلاح وصلاحياته يخلق بيئة قابلة للتوتر في أي لحظة، كما يؤثر على ثقة السكان المحليين بقدرة الاتفاقات على إحداث تغيير حقيقي وكذلك، فإن هذا الوضع يربك الجهود الرامية إلى إعادة بناء المؤسسات الأمنية على أسس موحدة، ويجعل أي تقدم سياسي عرضة للاهتزاز عند أول اختبار ميداني.
بين التصريحات الرسمية والوقائع على الأرض تبقى المسافة واسعة، ويظل تنفيذ الاتفاقات هو المعيار الحقيقي لقياس جدواها، وفي ظل استمرار تسلح وحدات حماية المرأة وبقاء وضعها دون حسم، يظل المشهد السوري مفتوحًا على احتمالات متعددة، أبرزها استمرار التعقيد بدل الانفراج السريع.