في كل مرة يرتفع فيها منسوب التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، يعود السؤال الذي يطرق أبواب العالم بقلق: هل نحن أمام مقدمات حرب عالمية ثالثة؟
التصريحات المتبادلة، المناورات العسكرية، التحركات البحرية، والرسائل النارية عبر الشاشات… كلها تصنع مشهدًا مشحونًا يوقظ ذاكرة الأزمات الكبرى. فالشرق الأوسط ليس مجرد جغرافيا ملتهبة، بل عقدة مصالح عالمية تتقاطع فيها الطاقة، والممرات البحرية، والتحالفات العسكرية، وسلاسل الإمداد. أي احتكاك مباشر بين قوتين بحجم واشنطن وطهران لن يبقى ثنائيًا، بل سيرتد صداه إلى أسواق النفط، وأسعار الغذاء، وحركة التجارة العالمية.
لكن التاريخ القريب يهمس بحقيقة مختلفة: الأزمات الكبرى كثيرًا ما بلغت حافة الانفجار قبل أن تتراجع خطوة إلى الخلف. السياسة الدولية تتحرك غالبًا على حافة الهاوية، لكنها تدرك أن السقوط الكامل يحمل كلفة لا يستطيع أحد تحملها. حسابات الردع، وتوازنات المصالح، وتعقيد التحالفات تجعل خيار الحرب الشاملة آخر الخيارات، لا أولها.
في عصر المنصات الرقمية، تنتشر الشائعات بسرعة الضوء. خبر غير مؤكد قد يهز الأسواق خلال دقائق، وتصريح مجتزأ قد يشعل موجة هلع عابرة للحدود. هنا يصبح وعي الشعوب خط الدفاع الأول. فالإشاعة قد تُربك أكثر من الصاروخ، والمعلومة غير الدقيقة قد تخلق خوفًا لا يستند إلى واقع.
التوتر السياسي لا يعني دائمًا أن الزناد قد سُحب. كثير من التصعيد يكون جزءًا من لعبة الضغط المتبادل، ورفع سقف التفاوض، وإعادة رسم حدود النفوذ. العالم اليوم أكثر ترابطًا من أي وقت مضى، وأي حرب واسعة ستضرب الجميع بلا استثناء.
وسط هذا المشهد المعقد، يبرز دور الأردن كنموذج لدولة أدركت أن الاستقرار ليس شعارًا بل استراتيجية. على مدى عقود، اعتمدت المملكة نهج الاعتدال والانفتاح، ونسجت شبكة علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، دون الانجرار إلى محاور متصارعة. هذه السياسة لم تكن حيادًا سلبيًا، بل قراءة عميقة لمعادلات المنطقة.
الأمن الوطني الأردني لا يقوم فقط على الجاهزية العسكرية، بل على منظومة متكاملة تشمل التنسيق الأمني، والمرونة الاقتصادية، وتماسك الجبهة الداخلية. في أوقات التصعيد، يصبح الوعي الشعبي عنصرًا أساسيًا في معادلة الثبات. فالدولة القوية ليست فقط تلك التي تمتلك العتاد، بل التي يثق شعبها بمؤسساتها ويقف صفًا واحدًا خلف استقرارها.
الأردن يدرك أن موقعه الجغرافي يجعله في قلب المعادلة الإقليمية، لذلك اختار أن يكون جسر تواصل لا ساحة صراع، وصوت عقل لا صدى صدام. هذه المقاربة عززت مكانته كعنصر توازن، وكشريك يُعوَّل عليه في تهدئة التوترات، لا في تأجيجها.
المؤشرات حتى اللحظة تشير إلى أن ميزان المصالح الدولية ما زال يميل نحو إدارة الأزمة لا تفجيرها. التصعيد الكلامي لا يساوي بالضرورة مواجهة شاملة، والرسائل العسكرية قد تكون أدوات ردع أكثر من كونها مقدمات حرب.
العالم يمر بمرحلة دقيقة، نعم. لكن قراءة متأنية للمشهد تكشف أن القوى الكبرى تدرك أن أي حرب واسعة ستعيد تشكيل النظام الدولي بطريقة قد تخرج عن سيطرة الجميع. لذلك تبقى خطوط الاتصال مفتوحة، حتى في أشد اللحظات توترًا.
وفي خضم كل ذلك، يبقى الأردن ثابتًا في موقعه كأرض استقرار وسط العواصف. يحمي حدوده، يصون مصالحه، ويؤكد أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تملكه من سلاح، بل بما تملكه من حكمة، وثقة شعب، وقدرة على تحويل القلق إلى يقظة، والتوتر إلى تماسك، والخوف إلى ثبات.