لا يمكن الحديث عن تاريخ التعليم في الأردن دون التوقف طويلاً عند معهد معلمين حوارة ، ذلك الصرح الذي لم يكن مجرد مؤسسة أكاديمية ، بل كان مشروعاً وطنياً نهضوياً انطلق من قلب ريف إربد ليصيغ مستقبل الأجيال .
من الطين إلى المنشآت الحديثة : قصة التأسيس :
تعود جذور الحكاية إلى عام 1956 م ، حين تأسست النواة الأولى تحت مسمى دار المعلمين ( الريفية ). كان الهدف حينها واضحاً ومحدداً : تأهيل معلمين قادرين على النهوض بالقرى الأردنية وتعليم أبنائها المهارات الأساسية والزراعية والتربوية .
وفي مطلع الستينيات ، وتحديداً في عام 1961 م ، شهد المعهد نقلة نوعية بانتقاله إلى مبانٍ ومنشآت حديثة . ولم تكن هذه المباني مجرد جهد حكومي ، بل كانت ثمرة تعاون دولي ومجتمعي ، حيث ساهمت مؤسسة فورد الأمريكية بالتمويل ، بينما سطر أهالي بلدة حوارة أروع أمثلة العطاء بتبرعهم بالأرض إيماناً منهم بأن التعليم هو السبيل الوحيد للرفعة.
المحطات المفصلية :
من الدار إلى الكلية :
مر المعهد بمراحل تطويرية جعلت منه قبلة للمبدعين :
عام 1964 م : تحول المسمى إلى معهد المعلمين - حوارة ، وبدأ باستقطاب حملة الثانوية العامة من كافة أرجاء الأردن والضفة الغربية ، ليتحول إلى مركز إشعاع حضاري يربط ضفتي النهر .
عام 1968 م : تخصص المعهد في مرحلة هامة لتأهيل المعلمين الممارسين فعلياً في الميدان ، لرفع كفاءتهم ومواكبة المناهج الحديثة .
عام 1985 م : شهد التحول إلى كلية محتمع حوارة ، مع توسع في التخصصات والبرامج الأكاديمية .
الحياة داخل المعهد : مجتمع صغير متكامل
لم يكن الطالب في معهد حوارة مجرد رقم ، فقد اشتهر المعهد ببيئته التدريبية الفريدة التي ضمت :
الأقسام الداخلية : التي وفرت مسكناً للطلبة القادمين من المسافات البعيدة ، مما خلق روابط اجتماعية وثيقة بينهم .
منازل المعلمين : التي جعلت من الهيئة التدريسية جزءاً لا يتجزأ من يوميات الطلبة ، مما عزز من مفهوم القدوة التربوية .
المرافق الحيوية : من ملاعب رياضية كانت مسرحاً للبطولات ، ومساحات خضراء تعكس طبيعة المنطقة الريفية .
نهاية حقبة وبقاء أثر
بعد عقود من العطاء الزاخر ، جاء قرار إغلاق المعهد رسمياً عام 1993 م . ورغم أن المبنى كمعهد تدريبي لم يعد قائماً بصفته القديمة ، إلا أن خريجي معهد / كلية حوارة لا يزالون يتصدرون المشهد التربوي والثقافي في الأردن وخارجه .
لقد ظل معهد / كلية حوارة في ذاكرة الأردنيين رمزاً للزمن الجميل ، ومثالاً على كيف يمكن لقرية صغيرة أن تحتضن صرحاً تعليمياً كبيراً يترك بصمته على خارطة الوطن بأكمله .