لم تكن ليلةٌ من ليالي رمضان التي تمضي بهدوء كما اعتدنا، بل كانت ليلةً كُتب فيها سطرٌ جديد من حكاية هذا الوطن؛ سطرٌ كُتب بالدم، لا بالحبر.
في الوقت الذي كانت فيه العائلات تجتمع حول موائد الإفطار، تتبادل الدعوات وتنتظر فرحة العيد، كان هناك رجالٌ آخرون… لا يجلسون، لا ينتظرون، بل يمضون نحو الخطر بقلوبٍ ثابتة، لأنهم يعرفون أن خلفهم وطنًا كاملًا يجب أن يبقى آمنًا.
هناك، في قلب المواجهة… لم تكن المعركة مجرد مداهمة، بل كانت مواجهة بين من يحمل الحياة، ومن يسعى لتدميرها. بين من يحرس مستقبل أبنائنا، ومن يتاجر بغياب وعيهم.
وفي لحظةٍ فاصلة… ارتفعت الأرواح.
سقط الجسد… لكن الوطن وقف.
ثلاثة أسماء… لكنها ليست أرقامًا في خبر عاجل، بل قصص حياة كاملة توقفت لتبدأ حياةٌ أخرى في السماء:
مراد المواجدة…
خلدون الرقب…
صبحي دويكات…
في بيوتٍ أردنية بسيطة، هناك تفاصيل صغيرة أصبحت اليوم عظيمة الوجع:
كرسيٌ على مائدة الإفطار لن يُسحب بعد الآن…
فنجان قهوة سيبقى كما هو…
وسجادة صلاة ما زالت تنتظر جبينًا اعتادت أن تلامسه كل فجر.
أيها الوطن…
هؤلاء لم يغيبوا… هم فقط غيّروا مواقعهم.
من شوارعنا إلى ذاكرتنا، ومن بيننا إلى ضمائرنا.
الوجع عميق… نعم، عميق إلى حدّ الصمت.
لكن الفخر أعمق… أعمق من كل دمعة.
نم قرير العين أيها الشهيد،
فخلفك شعبٌ لا ينسى، وأمهاتٌ يرفعن الدعاء، وأطفالٌ سيتعلمون أن البطولة ليست كلمة… بل موقف.
اللهم تقبّلهم في عليين، واجعل نورهم ممتدًا في قلوبنا،