تتجلى استثنائية القيادة في لحظات الفوضى ليس بوصف الأزمات، بل في القدرة على إعادة هندسة مساراتها؛ وهذا ما يقدمه جلالة الملك عبدالله الثاني اليوم عبر رؤية استراتيجية لـ "عقل الدولة" تنطلق من ردود الفعل التقليدية إلى وضع قواعد اشتباك جديدة، وإعادة صياغة أساليب التعامل مع التحديات بما يحفظ استقرار الدولة وأمنها.
وتظهر حصافة المواقف الأردنية في الأزمات الكبرى أنموذجا استثنائيا لـ "دبلوماسية الفعل والتأثير"، حيث استطاع الأردن، رغم محدودية الموارد وتعقيد الجغرافيا، أن يحول التحديات الوجودية إلى ركائز استقرار إقليمي، وهو ما يؤكده جلالة الملك في اتصالاته ولقاءاته مع الأشقاء العرب بتضامن الأردن مع الدول العربية ودعمها ومساندتها، داعيا جلالته إلى تعزيز الأمن العربي المشترك ووحدة الصف العربي لمواجهة المخاطر والتحديات الإقليمية.
ويرى محللون في أحاديثهم لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) أن الصمود الاستراتيجي والواقعية يشكلان ركيزة تعامل السياسة الأردنية التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني حيال الأزمات الكبرى، بعقلية الدولة الراشدة التي ترفض الانجرار خلف الاستقطابات الحادة، كما حافظ على توازن دقيق بين حماية أمنه الوطني والالتزام بمسؤولياته القومية، ما جعله "جزيرة استقرار" في محيط مضطرب.
ويرتكز الطرح الأردني، حسبما يؤكد المحلل الاستراتيجي الدكتور بشير الدعجة، على معادلة "الضرورة الوجودية"، حيث إن إيقاف الحروب ليس خيارا دبلوماسيا بل طوق نجاة لمنع الانهيار الشامل؛ فالتاريخ القريب يثبت أن ترك النزاعات بلا كبح يرفع وتيرة الجماعات المسلحة بنسبة كبيرة، محولا المنطقة من ساحة حرب إلى بؤرة فوضى وجريمة منظمة عابرة للحدود.
ويضيف الدعجة، يبرز الربط الاستراتيجي بين الأمن الإنساني والأمن الصلب، فالأردن يدرك أن كلفة إعادة الإعمار التي تجاوزت 400 مليار دولار في دول الجوار ليست مجرد رقم مالي، بل هي استنزاف لعقود من التنمية، ما يجعل الموقف الأردني "وقائيا بامتياز" لقطع الطريق على الانهيار قبل وقوعه.
ويستند البعد الاقتصادي للرؤية الملكية، إلى "لغة الأرقام" التي لا تجامل؛ حيث يعد أمن الخليج شريان الحياة للعالم بإنتاجه 30% من النفط وامتلاكه صناديق سيادية تتجاوز 3 تريليونات دولار، ولذا فإن أي اضطراب في هذا المركز يعني قفزة فورية في التضخم العالمي بنسبة 40%، وشللا في سلاسل الإمداد التي تمر عبر مضيق هرمز.
وفي السياق، يوضح المحلل الاستراتيجي الدكتور راكز الزعارير أن جلالة الملك يتصدر الجهود الدبلوماسية الدولية لتحقيق مخرج سياسي للصراعات الكبرى في الإقليم، خاصة عبر التنسيق المستمر مع سلطنة عُمان لما تلعبه من دور حيوي في الوساطة السياسية بين الأطراف الدولية، وهو تحرك يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية الأمن القومي ومنع أية فراغات أمنية قد تستغل لتغيير التوازنات.
ويحذر الدكتور الزعارير من مغبة استغلال إسرائيل ظروف الحرب الحالية لبسط مزيد من السيطرة والتهويد والقمع في الضفة الغربية والقدس الشريف، مؤكدا أن الحراك الملكي يضع قضية حقوق الشعب الفلسطيني في قلب التنسيق العربي المستمر، لضمان ألا تضيع الثوابت التاريخية وسط ضجيج الأزمات الإقليمية المتلاحقة.
النائب الأسبق الدكتور هايل ودعان الدعجة يؤكد أن المواقف الأردنية تنبثق من عقيدة قومية راسخة يعيد صياغتها الملك عبدالله الثاني بـ"عقل الدولة" المتيقظ، ذلك أن الأبعاد العروبية تتجلى بوضوح في الدبلوماسية الملكية التي تساند الأشقاء في الخليج ضد الهجمات المتهورة، وتدعو لمأسسة العمل العربي المشترك عبر بناء قوة إقليمية موازية وتفعيل القدرات الذاتية، عسكريا واقتصاديا، لمواجهة التحديات الإقليمية.
ويركز على أن الرؤية الملكية تدفع باتجاه توسيع "هامش المناورة" العربية دوليا، من خلال استثمار التنافس بين القوى الكبرى، كأميركا وروسيا والصين، وتوظيفه لخدمة المصالح الاستراتيجية لضمان حضور العرب كطرف فاعل ومؤثر في المنطقة، بما يحمي الأمن القومي العربي الذي يعد كلا لا يتجزأ.