منذ الثورة الإسلامية الإيرانية 1979، تبنّت إيران سياسة خارجية تقوم على معاداة الولايات المتحدة وإسرائيل، وتقديم نفسها كقوة داعمة لما تسميه "المقاومة”. ومع ذلك، فإن واقع المنطقة العربية خلال العقود الأخيرة يكشف عن حضور إيراني متزايد داخل عدة دول عربية ، ما يثير تساؤلات حول طبيعة هذا الدور: هل هو موجه أساسًا ضد قوى خارجية، أم أنه يمتد ليؤثر في الداخل العربي؟
الحقائق : هناك مجموعة من الحقائق التي يمكن أن تعزز فهم هذا الموضوع منها:
اولا : تعلن إيران رسميًا عداءها لاسرائيل وترفض الاعتراف بها، وتدعم بعض الفصائل التي تمثل ذراع لها في المنطقة العربية .
ثانيا: توجد حالة توتر مستمر بين إيران والولايات المتحدة تشمل عقوبات وصراعات غير مباشرة.
ثالثا : لإيران نفوذ سياسي وعسكري في بعض الدول عربية .
رابعا : تدعم إيران جماعات محلية في بعض الدول العربية ، ما يمنحها تأثيرًا غير مباشر في هذه الدول.
هذه الحقائق تعكس وجود بعدين في السياسة الإيرانية: _ بعد خارجي معلن.
_ بعد إقليمي عملي.
لذلك يمكن بناء التحليل على عدد من الافتراضات منها :
_ أن الدول تتحرك وفق مصالحها الاستراتيجية أكثر من شعاراتها.
_ أن الخطاب السياسي قد لا يعكس دائمًا السلوك الواقعي، إضافة إلى أن الأزمات في بعض الدول العربية وفّرت بيئة مناسبة لتدخل قوى إقليمية مثل إيران.
بناءا على ما ورد اعلاه قد نصل إلى مايلي:
اولا : على مستوى الخطاب، تركز إيران على معاداة إسرائيل والولايات المتحدة، وتقدم نفسها كمدافع عن قضايا المنطقة، خاصة القضية الفلسطينية.
ثانيا :على مستوى الممارسة، فقد اتجهت إيران إلى تعزيز نفوذها داخل بعض الدول العربية، مستفيدة من الظروف السياسية والأمنية، حيث أصبح لها تأثير واضح في بعض القوى السياسية والمسلحة في هذه الدول.
هذا التباين بين الخطاب والممارسة يعكس استراتيجية تقوم على تحقيق النفوذ الإقليمي دون الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى، وهو ما يجعل بعض الأطراف ترى أن إيران تركز عمليًا على المنطقة العربية أكثر من تركيزها على أعدائها المعلنين.
لذلك نستنتج مايلي : أن السياسة الإيرانية ليست أحادية الاتجاه، بل تجمع بين بعد أيديولوجي يتمثل في معاداة أمريكا وإسرائيل، وبعد استراتيجي عملي يتمثل في توسيع النفوذ داخل بعض الدول العربية. وهذا يعكس سعيًا لتحقيق توازن بين الشعارات والمصالح.
وفي النهاية، يمكن القول إن إيران تعلن عداءها للولايات المتحدة وإسرائيل، لكنها في الوقت نفسه تمارس دورًا مؤثرًا داخل بعض الدول العربية، ما يجعلها طرفًا أساسيًا في الصراعات الإقليمية. لذلك، فإن فهم سياستها يتطلب النظر إلى كلٍ من خطابها المعلن وممارساتها الواقعية معًا.
اللواء الركن " م " الدكتور مفلح الزيدانين.
متخصص في التخطيط الاستراتيجي وإدارة الموارد البشرية.