لم ينتظر الحر في منطقتنا العربية موعد الصيف الرسمي، فمع منتصف مايو/أيار 2026، بدأت موجة حارة واسعة تضغط على أجزاء متفرقة من مصر وليبيا وشبه الجزيرة العربية، حاملة معها درجات حرارة تقترب في مناطق عدة من عتبة الأربعين، وتتجاوزها في مدن الداخل والصحارى.
وتوضح خرائط منصة "كلايمت ري أنالايزر" البحثية، التابعة لمعهد تغير المناخ في جامعة ماين الأمريكية، أن المنطقة تمر ضمن نطاق حراري عالمي مرتفع هذه الأيام، تجعل درجات حرارة بعض مناطق العالم العربي من ضمن الأعلى في العالم في فترات متفرقة خلال اليوم، مع الهند وبعض المناطق المجاورة لها، بحسب قياس درجات الحرارة العظمى أعلى سطح الأرض بمسافة مترين.
هذا الارتفاع هو معيار شائع في الأرصاد لأنه يمثل تقريبا الهواء الذي يشعر به الإنسان، ويتجنب التشوه الكبير الناتج عن سخونة الأسفلت أو الرمال أو برودة السطح مباشرة.
في الخليج، تظهر التوقعات أن الرياض والكويت تمران بأجواء حارة جدا؛ إذ تشير بيانات الطقس إلى عظمى تقارب 41 درجة مئوية في مدينة الكويت بداية من السبت، بينما تصل في الرياض إلى نحو 44 درجة مئوية.
أما في البصرة، فتدور القيم المتوقعة حول أواخر الثلاثينيات وبداية الأربعينيات خلال الفترة نفسها.
وفي مصر، أعلنت الهيئة العامة للأرصاد الجوية استمرار الارتفاع في درجات الحرارة بين 13 و17 مايو/أيار، مع طقس حار إلى شديد الحرارة نهارا على أغلب الأنحاء، وتوقعات بوصول الحرارة إلى 41 و42 درجة مئوية في بعض المناطق، مع نشاط رياح قد يثير الرمال والأتربة.
ما الموجة الحارة؟
تُعرِّف الهيئة الدولية المعنية بتغير المناخ الموجة الحارة بأنها ارتفاع في درجات الحرارة عن معدلاتها في مكان ما لمدة تبدأ من يومين وتمتد إلى شهر، وقد يكون ذلك مصحوبا بارتفاع نسبة الرطوبة.
ويعني ذلك أن الأمر لا يتعلق بدرجة الحرارة، بل بالفارق بينها وبين المعدلات، فعلى سبيل المثال حينما تسجل بعض المدن البريطانية 33 درجة مئوية، فإن تلك تعد موجة حارة لأن المعتاد هناك في الصيف هو ما بين 20 و24 درجة، بينما لو كانت الدرجة نفسها في السعودية أو الجزائر أو المغرب، فإنها طبيعية.
وتحدث الموجات الحارة بسبب تأثر منطقة ما بمرتفع جوي يعلوها على مسافة تصل إلى ما بين 3000 و7500 متر.
ولفهم الفكرة تخيل أن الضغط في المرتفع الجوي يشبه حملا ثقيلا جدا من الحديد يضغط على شخص يحمله، هذا الشخص هو الهواء الساخن بالأسفل قرب الأرض، وبسبب طبقات الهواء المتراكمة أعلاه ينضغط هذا الهواء الساخن فوق منطقة ما.
ومن عادة الهواء عندما يسخن قرب الأرض فإن كثافته تنخفض، وبالتالي يرتفع للأعلى ويحل مكانه هواء بارد، وهكذا دواليك. لكن في حالة الموجة الحارة، فإن الضغط الشديد من الأعلى يمنع الهواء الواقع قرب سطح الأرض من الارتفاع للأعلى، فتزيد درجة حرارته.
أضف إلى ذلك أن منطقة الضغط المرتفع تمثل ما يشبه العازل الذي يمنع الهواء البارد خارجها من الدخول إليها، بل يدور حولها، مما يمنع من تهدئة درجة الحرارة في منطقة الموجة الحارة، فترتفع درجة الحرارة لهذا السبب أيضا بمعدلات أكبر.
ما دور التغيّر المناخي؟
هذا هو الموعد المتوقع لبدء الموجات الحارة في العالم العربي كل عام، لذلك لا داعي للقلق من أن ما يحدث يعد شيئا استثنائيا، وعادة ما تشهد عدد من دول العالم العربي ارقاما تتخطى الأربعين في درجات الحرارة، خلال تلك الفترة.
لكن قلق العلماء يكون عادة من المستقبل، فالدراسات في هذا النطاق تؤكد أن تغير المناخ يؤدي إلى زيادة كبيرة في تواتر وشدة ومدة موجات الحرارة، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي للأرض بشكل عام بسبب الأنشطة البشرية مثل حرق الوقود الأحفوري.
ويؤدي تراكم الغازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون إلى احتجاز المزيد من الحرارة في الغلاف الجوي، مما يؤدي إلى ارتفاع عام في متوسط درجات الحرارة العالمية، ومع ارتفاع متوسط درجات الحرارة ترتفع احتمالية حدوث الموجات الحارة بدرجات أكبر.
أضف إلى ذلك أن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة معدل التبخر من الماء واليابس، مما يؤدي إلى زيادة بخار الماء في الغلاف الجوي، وهو الأمر الذي يرفع من قيمة مؤشر الحرارة سالف الذكر، ويؤدي إلى زيادة حدة الموجات الحارة بالتبعية.