تتلاقى القلوب وتشرق الوجوه ببهجة إيمانية لا تدانيها فرحة ، حين تهب على ديارنا نفحات الحرمين الشريفين معلنةً عودة قوافل الطائفين والعاكفين والركع السجود . إن رحلة الحج إلى بيت الله الحرام ليست مجرد شعيرة دينية تُقام أو مسافة جغرافية تُقطع ، بل هي هجرةٌ بالروح إلى منابع اليقين ، وولادةٌ جديدة للنفس تعود منها محملةً ببركات السماء وأسرار الغفران . وفي الوجدان الأردني الأصيل ، تحولت عودة الحجيج إلى عرس وطني واجتماعي تتشابك فيه أواصر المحبة وتتجلى فيه أسمى قيم التكافل والنخوة ، حيث ترسم التقاليد الموروثة واللوحات البصرية لوحة وفاء دافئة تختزل عمق الشوق للديار المقدسة وحفاوة اللقاء بـ " زوار الرحمن " .
منذ أن أشرق نور الإسلام في ربوع الأرض ، ظلت رحلة الحج إلى بيت الله الحرام تمثل أسمى الرحلات الروحانية والمحطات الوجدانية في حياة المسلم ، فهي تجسيد لنداء الخليل إبراهيم عليه السلام ، وتلبية لرب العزة تشتاق إليها الأفئدة والنفوس . وفي موروثنا الشعبي الأردني الأصيل ، لا تكتمل فرحة هذه الرحلة المباركة المقترنة بالثواب والمغفرة إلا بمظاهر الاحتفال المهيبة والزينات المبهجة التي تعكس حرارة اللقاء ، وتقدير هذه الفريضة العظيمة ، وإجلال مكانة الحاج في وجدان المجتمع والأسرة الأردنية .
القوسه : رمز البهجة والبصمة البصرية في أحيائنا الأردنية
لطالما ارتبطت عودة الحجيج واستقبالهم بمشهد بصري فريد تزدان به الحارات ، ويعرف في معظم مدننا وقرانا الأردنية بـ " القوسه " . وهي زينة تقليدية هندسية ومبهجة تُصنع بعناية فائقة وتُرفع أمام بيوت الحجاج وعلى بواباتها الخارجية لتعلن للجميع أن في هذا البيت حاجاً قد عاد مغفور الذنب بإذن الله .
وتتكون " القوسه " في تركيبتها التراثية من عدة عناصر متكاملة :
1 ) أغصان الأشجار الخضراء : حيث تتشابك عروق وأغصان أشجار السرو ، والكينا ، والزيتون ، لتمتد على شكل قوس أخضر نضر يرمز إلى السلام والبركة الدائمة . وفي بعض المناطق ، يُضاف شجر النخيل وسعف النخيل كرمز للبيئة الحجازية المباركة .
2 ) أحبال الزينة والأشرطة : أشرطة ملونة ومثلثات ورقية وقماشية تتدلى بشكل هندسي بديع لتضفي بهجة استثنائية على طول زقاق الحارة .
3 ) الإنارة والمصابيح : أضواء ساطعة تضاء فور إعلان وصول الحجاج إلى الحدود أو المطارات لتنير عتمة الليل فرحاً .
4 ) العبارات واليافطات : عبارات ترحيبية وتبريكات تُكتب بخطوط واضحة على لوحات كرتونية أو يافطات قماشية ( وفي بعض الأحيان تخط و تُدهن بالدهان على الجدران ) ، تحمل أدعية مأثورة مثل : " حج مبرور وسعي مشكور وذنب مغفور " , لترحب بحجاج بيت الله وتهنئهم بالوصول سالمين من الديار الحجازية .
فرحة الأطفال : ترقب العيون لهدايا الديار الحجازية العبقة
للأطفال في هذا العرس الاجتماعي والروحاني نصيب الأسد من الفرح والبهجة ، حيث يترقبون هذا اليوم بعيون شاخصة وقلوب متلهفة ، ينتظرون اللحظة التي تطل فيها مركبة الحجاج ليرتموا في أحضان الجد والجدة ، أو الأب والأم ، ويتنعموا بلمسات الحنان وبتلك الهدايا الجميلة التي تحمل معها رائحة مكة والمدينة وجفت بين طياتها أنفاس المشاعر المقدسة .
وقد جرت العادة التراثية أن تقسم هدايا الأطفال بعناية لتدخل السرور على قلوبهم :
الذكور : غالباً ما تكون هداياهم عبارة عن " الطاقية " البيضاء المزركشة بخيوط ذهبية أو فضية يرتدونها بفخر في صلاة الجماعة ، مع " دشداشة " بيضاء صغيرة ، أو " مسدس الشرار " اللعبة التقليدية التي تملأ الحارة بصوت احتفالي ، بالإضافة إلى " الكاميرا البلاستيكية الصغيرة " التي يضعها الطفل على عينه ويضغط على زرها لتعرض له صوراً ملونة وثابتة للأماكن المقدسة من الحرم المكي الشريف ، والحرم النبوي تارة ، ومناسك الحج في عرفات ومنى تارة أخرى .
الإناث : تبرز الهدايا الموشاة بالأنوثة والبساطة ، ومنها أطواق العقد ، والأساور النحاسية والبلاستيكية الصفراء اللامعة التي تحاكي الذهب ، وعلب " الحناء " الطبيعية الآتية من أسواق مكة لصبغ أيدي الصغيرات وجدائل الخالات والعمات في الحارة .
بين الماضي والحاضر : تحولات المسير وملاحم الاستقبال الشعبية
تعتبر مظاهر الزينة الحالية ، وخاصة الكهربائية منها ، حديثة نسبياً مقارنة بما كان عليه الحال في العقود الماضية . فقديماً ، ونظراً للمشقة الكبيرة والخطورة التي كانت تحف برحلة الحج ، كان الاستقبال يأخذ طابعاً ملحمياً وشعبياً تشارك فيه الحمولة والعشيرة بأكملها . فقد كان الحجاج يغيبون لشهور طويلة ، يقطعون خلالها الفيافي والصحاري طولاً وعرضاً على ظهور الإبل ركوباً ومشياً في قوافل منظمة تُعرف بـ " المحمل " ، متحملين وعثاء السفر وحرارة الشمس الحارقة والظروف الجوية المتقلبة للوصول إلى بيت الله الحرام وزيارة قبر الرسول الأعظم ومصطفاه محمد — صلى الله عليه وسلم — .
لذلك ، كان يوم وصول الحجاج يوماً وطنياً مشهوداً في القرية أو الحارة لا تقل بهجته بهاءً وسعادة عن يوم العيد الأكبر . وتتجلى معالم هذا اليوم في :
1 ) خروج الحارة والقرية : مع بزوغ شمس يوم الوصول ، يخرج عموم أهالي القرية ، كباراً وصغاراً ، نساءً ورجالاً ، نحو مداخل القرية الرئيسية والساحات العامة ، ينتظرون بلهفة وشوق عودة ركب الحجيج .
2 ) التسلي بالأحاديث والأناشيد : وخلال ساعات الانتظار الطويلة ، يتسامر الأهالي بالأحاديث ، وتصدح الحناجر بالأناشيد الدينية والتلاحين التراثية التي تمدح الرسول الكريم وتدعو بسلامة الحجاج وعودتهم غانمين .
3 ) التحميد والإنشاد الجماعي : عند وصول الركب وتناهي الغبار من بعيد ، يرتفع الصوت بالغناء والتحميد ( أهازيج استقبال الحجاج التراثية ) والإنشاد الذي يفيض بالدموع والفرح والزغاريد ( المهاهات ) تعبيراً عن البهجة بعودتهم سالمين من رحلة العمر .
البعد الوطني الإنساني : " سبيل معان " وواحة الحجاج
إن الفرح الأردني باستقبال الحجاج لا يقتصر على العائلات فحسب ، بل يمتد ليصبح ملمحاً وطنياً تترسخ فيه أسمى معاني النخوة والشهامة ، ويتجسد ذلك تاريخياً وجغرافياً في جنوب المملكة :
سبيل معان : يُعد من أقدم وأبرز مظاهر الكرم والنخوة الأردنية ، حيث يهب أهالي مدينة معان الأبية لإقامة مخيمات تطوعية ضخمة لتقديم الطعام والشراب والخدمات الإسعافية والراحة للحجاج مجاناً طوال فترة عبورهم ، في سيرة كرم حاتمية تتجدد على طريق الحجاج منذ فجر الإسلام .
واحة الحجاج في معان : البوابة الرئيسية الحاضنة لقوافل ضيوف بيت الله الحرام ، المجهزة بالتسهيلات والخدمات الرسمية والمجتمعية بتعاون لافت من الأجهزة الأمنية والكوادر الطبية ، لضمان راحة الحجاج وسلامتهم في الذهاب والإياب .
مجلس الحاج : ماء زمزم المبارك ولائم " النقيعة "
حين يستقر الحاج في منزله وتنتهي مراسم الاستقبال الأولى — التي تبدأ أحياناً من المطار أو المعابر الحدودية بالورود والبالونات واللافتات — يتحول " مجلس الحاج " أو مضافته العشائرية إلى محج دائم للأقارب ، والأصدقاء ، والجيران ، والمحبين الذين يتدفقون على مدار أيام وأسابيع للمباركة والمصافحة ونيل بركة الحج والاستماع إلى " قصة الحج " وتفاصيل الرحلة الروحية .
وفي هذا المجلس الطيب ، تبرز مأثورات الضيافة العريقة :
وليمة النقيعة : تحرص العائلات في القرى والأرياف والمدن على إقامة ولائم طعام ضخمة يُدعى إليها الأهل والجيران والأصدقاء ، احتفالاً وفرحاً بقدوم الحاج وسلامته ، وشكراً لله على تمام الفريضة .
الضيافة والهدايا التذكارية : يحرص الحاج على تقديم التمور الفاخرة ( خاصة عجوة— تمر — المدينة والسكري ) مصحوبة بالقهوة العربية السادة . وتبدأ جولات توزيع الهدايا الرمزية والبراويز التذكارية التي تظل ذكرى حية على مر السنين ، وتشمل : المصاحف الشريفة ، المسابح المصنوعة من خشب الزيتون أو البلاستيك الملون ، وسجاجيد الصلاة المطرزة بنقوش الكعبة ، والبخور الفواح ( مثل الجاوي والعود ) الذي يعطر أرجاء المنزل لأسائيع .
بركة ماء زمزم : يُسقى الحاضرون والمهنئون من " ماء زمزم " المبارك الذي جلبه الحاج معه في أوعية خاصة ( الجالونات ) ، حيث يمتزج طعم الماء العذب بروحانية الدعاء . فيشرب الحاضرون مستحضرين النية والأدعية المأثورة ، وتزيدهم هذه الأجواء تعلقاً بالبيت العتيق ، وتلهج ألسنتهم بالدعاء الخالص لله سبحانه وتعالى بأن يرزقهم ويعيد عليهم هذه الفريضة ويكتب لهم أداء مناسك الحج في المواسم القادمة .
مع دوران عجلة الزمن ودخول عصر العولمة والثورة التكنولوجية والاتصالات ووسائل النقل السريعة من طائرات وحافلات حديثة ، اختلف مظهر استقبال الحجاج وتأثر بالمدنية الحديثة والتغيرات الاجتماعية المتسارعة :
1 ) تراجع الطقوس الجماعية : بدأت الأناشيد التراثية والتحميد الجماعي في الشوارع تتوارى تدريجياً ، وأصبح الاستقبال والانتظار يتم غالباً في قاعات المطارات أو المعابر الحدودية ، واقتصرت بعض مظاهره على الدائرة الخاصة للحاج من أهله وأقاربه الأدنين في البيوت .
2 ) عصرنة الزينة والإنارة : باتت الزينة السائدة تعتمد على المصابيح الكهربائية الجاهزة وحبال الإضاءة الحديثة ( ذات الصناعة الصينية ) وشاشات العرض الرقمية الصغيرة ( الـ LED ) ، بالإضافة إلى الفوانيس والحبال المضيئة التي قد تتخذ أشكالاً دينية وهندسية كالكعبة أو النجوم والمقاصات المتنوعة .
3 ) الكتابات والرسوم الجدارية والرقمنة : تزايدت ظاهرة الخطاطين أو استخدام الملصقات واليافطات البلاستيكية الجاهزة ( الفليكس ) على واجهات المنازل الخارجية . وفي بعض الأحياء الشعبية والريفية العربية ، تُجمل الجدران برسومات جدارية عفوية تصوّر الكعبة والمناسك وطائرات الحجاج . ناهيك عن تبريكات وسائل التواصل الاجتماعي ( الواتساب والفيسبوك ) وبطاقات التهنئة الرقمية التي أصبحت تسبق وصول الحاج إلى بيته .
إن مظاهر الزينة والاستقبال التي نراها ونعيشها اليوم في أردننا الغالي وعموم بلادنا ، وإن تبدلت أدواتها المادية واختلفت عناصرها عبر الزمان والمكان — من غرس أغصان الشجر الخضراء واللوحات الكرتونية البسيطة قديماً إلى المصابيح الرقمية واليافطات المطبوعة حديثاً — تظل في جوهرها انعكاساً أصيلاً لمكانة الحج الرفيعة والعميقة في الوجدان الجمعي الإسلامي والوطني .
فهذه المظاهر ليست مجرد طقوس اجتماعية عابرة أو بروتوكولات مادية ، بل هي لغة بصرية نابضة تعبر عن توق النفوس الإنسانية وشوقها إلى تلك الرحاب الطاهرة ، وجسر متين يربط القلوب بمقدساتها . ويبقى مشهد الحاج وهو يفيض بشراً ويوزع بركات ونفحات الديار الحجازية على محبيه ، يجسد أجمل صور التكافل ، والتعاضد ، والبهجة التي تعيد الروح والنور إلى أحيائنا وحاراتنا وقرانا الأردنية ، مجددة في نفوسنا دائماً وأبداً عهد الرجاء والأمل بأن يكتب الله لنا جميعاً زيارة بيته المحرم والوقوف على جبل عرفات في القريب العاجل بإذن الله تعالى .
تتلاقى فصول هذه اللوحة الاجتماعية والروحية لتؤكد أن الموروث الأردني والعربي في استقبال حجاج بيت الله الحرام يتجاوز حدود الأشكال والقشور ، ليتغلغل في عمق الهوية والأصالة . فبين أغصان السرو الندية التي عانقت أبواب البيوت قديماً ، والأنوار الكهربائية التي تتلألأ اليوم ، ينبض قلب المجتمع بذات الوفاء والتقدير لشعائر الله . إن سيرة الحاج العائد ، الحامل لفيوضات البركة وماء زمزم وهدايا الحرمين ، تظل طاقة نورانية متجددة تطهر القلوب ، وتعمر المضافات والمجالس بالذكر والدعاء ، وتشد من أزر الروابط الأسرية والعشائرية . سائلين المولى عز وجل أن يديم على بيوتنا وأحيائنا هذه الطقوس المباركة ، وأن يحفظ حجاجنا الأوفياء ، وأن يرزق كل مشتاق وقوفاً مهيباً في رحاب مكة الطاهرة وجبال عرفات الشامخة ، لتبقى ديارنا واحة أمن ، وإيمان ، وبركة موصولة .