لا يملك الخبيث حبالا يلعب عليها أنجع من الفتنة، والقاعدة هنا سهلة يسيرة، كلما ازداد جهل الجماعات المستهدفة كان التلاعب بها أسهل، بل سيتفنن الشيطان بمراقصة ضحاياه ليل نهار.
لا يخفى على أي مطلع العلاقة الوثيقة بين هويات الشعوب وأطباقها، فلكل بلد مجموعة خاصة من الأطباق المميزة التي يرى فيها وعاء لثقافته وتاريخه، فيفتخر بها أحيانا، ويحييها في مناسباته مختلف الأوقات، ولا خلاف على هذا.
ولأن العدو يعرف المداخل والمخارج جيدا، ولأنه مهووس بتحريف الواقع الثقافي والسرد التاريخي للمنطقة، يجد في طعامنا طبقا مفضلا للنهم والسرقة، فنجده يناضل تارة لانتزاع حقه بامتلاك الفلافل كجزء من ثقافته وتاريخه المزعومين وتسجيل هذا في المنظمات الدولية، ويستمر في هذه السلسلة مستهدفا الشاورما، المقلوبة، الحمص.. فكل هذا وأكثر يشكل جزءا أصيلا من مشاريعه للتهويد والاستيطان.
ولأن الاستغلال طبعه اللئيم، والاستمتاع بالفرقة لذته الكبرى، ينشط مؤخرا في فضائنا العام مناوشات حول ملكية الأطباق، فهذا حمودة من الخليل يقدم لنا وصفته للمنسف الفلسطيني، وذلك حامد من إربد يقسم أن المسخن أردني بوصفه ابنا شرعيا للمكمورة الأجود والأدسم، ودواليك من مقاتلة طواحين الهواء ومراقصة الشياطين.
وللإيجاز والتبسيط، هذا كله وهم، وهم كبير نقع فيه إذا حسبنا أن التاريخ يحترم فرقتنا وتمزقنا الحاليين، ومن الجهل المركب الاعتقاد أن المطبخ العربي كان مقيفا على المواصفات الاستعمارية، وجواب هذا نستشفه من العالم كله، فكل طبق شعبي يعبر بشكل أو بٱخر عن نمط إنتاج الشعب الذي يطبخه.
تخيل نفسك مصريا بأرض تجيد إنبات العدس والحمص والبصل، ماذا ستصنع؟ الكشري طبعا، وتخيل نفسك مواطنا في منغوليا ومحاطا بعشرات ٱلاف الرؤوس من البهائم في مناخ شديد البرودة، ماذا ستختار غير اللحم في مختلف وجبات اليوم؟ ودواليك..
نمط الإنتاج في منطقتنا واضح، الفلاحين يزرعون القمح ويربون الدجاج ويعصرون الزيتون، فتكون المكمورة والمسخن، البدو في الجزيرة العربية وبئر السبع وسيناء وجنوب الأردن يربون الإبل، فيكون من مرق لحمها لهم طعاما ثم يورث هذا للحم الغنم، أما المنسف فهو نتاج لمجتمع نصف رعوي نصف زراعي، فكان للحم أن يطبخ في اللبن ويوضع على العيش، وهذا واقع منه تستطيع تفسير وجود المليحي الحوراني الذي أضاف الكبة أيضا لاحتكاكه بحضارة دمشق، وفكر بهذا مليا..
عموما، إن كان لنا عبرة في مطابخنا، فعلى هذه العبرة أن تدفعنا لتذكر وحدة الأرض والماضي، وتذكر كمية التشوه الثقافي والمعرفي اللذين يوقعهما العدو بنا ليل نهار، وأن نرفض أن نكون ضحية الفتنة والفرقة أثناء غرقنا في المرقة.
للمودة، صحة وهنا على عشاء الليلة، وأثناء تلذذك بطبقك فكر: لماذا طبخوه قبل مئة سنة؟