لم يكن الأردن يوماً مجرد جغرافيا عابرة، ولا مساحة تقبل القسمة على تجار المواقف والمزايدات. لكن المشهد السياسي يفرز بين الحين والآخر أصواتاً غريبة عن وعي هذا الوطن، تحاول يائسة العبث بالهوية الأردنية الثابتة، وتسويق أوهام وخرافات سياسية على شكل "خرائط مشبوهة" وطروحات فاشلة، لا تعكس في حقيقتها إلا عجز أصحابها وإفلاسهم الفكري والعقلي.
أبشع صور السقوط السياسي تجدها في أولئك الذين صعدوا على أكتاف الدولة، واقتاتوا من خيرها، وتدثروا برداء مناصبها الرفيعة لسنوات، ثم ما إن "فُطموا" عن كراسي المسؤولية وغادروا دائرة الضوء، حتى انقلبوا يمارسون مهنة "الطعن في الظهر". إنه انفصام مريب؛ كيف يتحول من كان قبل الأمس القريب حارساً للموقع (بحكم الوظيفة)، إلى مشككٍ في ثوابت وطنه وهويته بمجرد أن أصبح خارج الأسوار؟
إن هذا السلوك المتلون يتجاوز حدود المراهقة السياسية ليدخل في باب "العيب الأخلاقي" والجحود الوطني. فالأوطان لا تُقاس بميزان الأرباح والخسائر الشخصية، والمسؤولية تكليف وشرف وليست غنيمة تنتهي بصلاحية الكرسي. إن هذه الردة السياسية لهؤلاء هي أكبر إدانة لتاريخهم، وإثبات قاطع بأنهم لم يكونوا يوماً أهلاً لتلك الثقة الطاهرة التي مُنحت لهم.
اليوم، تسقط الأقنعة وتنكشف النوايا، والرد الأردني يأتيهم حاسماً لا يقبل التأويل: هذا الوطن عصيّ على الكسر، وأكبر بكثير من عقدة "المناصب النرجسية" والمصالح الضيقة.سيبقى الأردن شامخاً بهويته وبوعي شرفائه، أما البكائون على أطلال كراسيهم، فلن يجدوا في الشارع الأردني إلا الاستهجان والرفض، فالشعب بات يفرز جيداً بين من يحمل همّ الوطن.. ومن يتباكى لأن الوطن لم يعد يحمل ميزانيته!