إن الاعتراف بالخطأ هو أولى خطوات الإصلاح الحقيقي والواقع السياسي الأردني اليوم يمر بمرحلة فجوة عميقة بين النوايا التشريعية المكتوبة على الورق وبين الممارسة الحزبية على أرض الواقع حيث أنتجت حالة التخبط في تعديل التشريعات المتتالية وسرعة وتيرة التحديث دون تمهيد حقيقي حالة من الإرباك التنظيمي الحاد تسببت مباشرة في إجهاض تجارب حزبية جادة وخروج حزب المواطنة الأردني الذي شرفت بقيادته كأمين عام من العملية الحزبية قسراً نتيجة هذه التغييرات الفجائية والأنظنة غير المدروسة التي أطاحت بالقوى التي سعت لتقديم نموذج وطني برامجي حقيقي وجعلت الجهود الحزبية تنصرف نحو الامتثال الإداري واستيفاء الشروط الإجرائية المعقدة على حساب العمق الفكري والتحشيد الجماهيري الفعلي مما يفرض علينا اليوم وقفة مكاشفة وطنية تتجاوز لغة المجاملات السياسية والاستهلاك اللفظي لنخرج من دوامة الهندسة المؤقتة وفخ التحديث الشكلي القائم على الأرقام والنسب القسرية إلى فضاء الديمقراطية الحقيقية المستدامة التي تنمو فيها الأحزاب بناءً على حلولها الاقتصادية والاجتماعية وتمايزها البرامجي الذي يخدم الدولة والمواطن معاً في بيئة تضمن تكافؤ الفرص وتحرر العمل الحزبي من عقدة الخوف المجتمعي عبر بناء جسور ثقة مطلقة تجعل من الصندوق والحزب القناة الشرعية والوحيدة لتشكيل الحكومات البرلمانية وإدارة الشأن العام بعيداً عن عقلية الرقابة البيروقراطية المتشددة التي تضع عوائق قانونية مستمرة تطرد الكفاءات الوطنية وتبدد الجهود الكفاحية للمؤسسين وتزرع الشك في جدية المسار بأكمله
وتتحقق القيمة المضافة الحقيقية لهذا الطرح في التأكيد على أن قوة العمل الحزبي واستدامته لا يمكن هندستها بقرارات فوقية متقلبة تهدم السلالم وتتخلص من الخبرة التراكمية، فالنقد هنا لا يستهدف طاقات الشباب وثقلهم الجيلى بل يتوجه مباشرة نحو تلك التشريعات والأنظمة غير المدروسة التي أنتجت ممارسات حزبية غير عادلة يسودها الفكر الإقصائي والفوقية التنظيمية وهو مالمسته أحزاب جادة كثيرة وتناقض تماماً مع الغاية السامية والأهداف الحقيقية للعمل الحزبي الأردني الذي قام على مبدأ الشراكة الوطنية الراسخة والتدرج الطبيعي الذي يرفض الفوقية ويؤمن بأن كل أبناء الشعب واعون وقادرون على العطاء متى ما توفرت لهم البيئة العادلة المستقرة تشريعياً لسنوات طوال تتيح للمؤسسات الحزبية استشراف مستقبلها وتأهيل قياداتها وتكامل حكمة التجربة وإدارة الأزمات لدى الرواد مع طاقات وأدوات الأجيال الجديدة في علاقة تداولية طبيعية تحافظ على الذاكرة المؤسسية وتمنع الانشقاقات والفراغ التنظيمي فالاستمرار في تغليب الشكل الإداري على المضمون الفكري يهدد بتحويل الأحزاب إلى مقار مرخصة تخلو من القواعد الحقيقية ولن يولد التحديث الحقيقي من رحم تدمير التجارب الجادة وإنما عبر إرادة سياسية حاسمة تتوقف عن تغيير القوانين بشكل يربك الميدان وتتعامل مع الأحزاب الحقيقية كشريك مصيري وصانع للقرار في دولة ديمقراطية بكل معنى الكلمة منيعة في وجه كل التحديات ومبنية بسواعد وعقول كل أبنائها دون تمييز أو إقصاء