في زمن تتسارع فيه المتغيرات وتتداخل فيه المؤثرات الفكرية والاجتماعية، يظل الأردن وطنًا تأسس على منظومة راسخة من القيم والعادات الأصيلة، التي جعلت من الأمن والاستقرار عنوانًا بارزًا له بين الأمم. ومن هذا المنطلق، فإن ما شهدناه مؤخرًا من جرائم قتل واعتداءات مؤلمة، وآخرها الجريمة التي هزت مشاعر الأردنيين اليوم، وما سبقها من أحداث مشابهة في فترات متفرقة، يفرض علينا الوقوف بجدية أمام هذه الظواهر التي لا تمت بصلة إلى أخلاق مجتمعنا ولا إلى الإرث القيمي الذي تربى عليه الأردنيون.
لقد عُرف الأردنيون عبر تاريخهم بالنخوة والتسامح والتكافل، ولم يكن العنف يومًا جزءًا من هويتهم، بل كانت العلاقات الاجتماعية تقوم على الاحترام وصون الدماء والاحتكام إلى القانون. ولذلك فإن الجرائم التي تظهر بين حين وآخر، مهما بلغت بشاعتها، تبقى سلوكيات دخيلة لا تعكس حقيقة المجتمع الأردني، ولا تمثل سوى انحرافات فردية مرفوضة من الجميع.
إن الحفاظ على أمن الوطن ليس مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، على الرغم مما تبذله من جهود عظيمة في حفظ الأمن وملاحقة الخارجين على القانون، بل هو واجب وطني تشترك فيه الأسرة والمدرسة والمسجد والجامعة والإعلام ومؤسسات المجتمع كافة. فغرس القيم، وتعزيز ثقافة الحوار، وحماية الشباب من الأفكار المنحرفة، تمثل خطوط الدفاع الأولى في مواجهة العنف والجريمة.
وإذا كانت بعض الجرائم قد تركت آثارًا مؤلمة في النفوس، فإن الرد الحقيقي عليها لا يكون بالخوف أو اليأس، بل بمزيد من التكاتف والوعي، والالتفاف حول مؤسسات الدولة، وترسيخ سيادة القانون، لأن هيبة الدولة وعدالة القضاء هما الضمانة الحقيقية لاستقرار المجتمعات وأمنها.
لقد قدم الأردن الكثير من التضحيات، وكتب أبناؤه صفحات مشرقة من البطولة والفداء دفاعًا عن ترابه ورفع رايته، ومن الوفاء لهذا الوطن أن نصون وحدته ونحافظ على نسيجه الاجتماعي، وأن نقف صفًا واحدًا في وجه كل من يسعى إلى نشر الفوضى أو الإساءة إلى صورته الناصعة.
فالأردن لم يكن يومًا موطنًا للفوضى، ولن يكون، لأن أبناءه الأوفياء يدركون أن الأمن نعمة عظيمة، وأن المحافظة عليها مسؤولية جماعية، وأن القيم التي تربى عليها الأردنيون ستبقى أقوى من كل السلوكيات الدخيلة والعابرة.
وسيظل الأردن، بإذن الله، وطن الأمن والكرامة، عصيًا على العابثين والمفسدين، تحرسه إرادة شعبه، وتماسك مجتمعه، وعدالة مؤسساته، وسيبقى كما كان دائمًا؛ وطنًا للعزة والاستقرار والطمأنينة.