ثمة رجالٌ لا يُقاس حضورهم بعدد السنوات، بل بما يتركونه من أثرٍ وهيبةٍ وطمأنينةٍ في قلوب من عرفوهم… فإذا غابوا، شعر الجميع أن جزءًا من المكان قد رحل معهم.
ودّعنا شقيق والدتي، خالي الشيخ عناد محمد الفايز إلى جوار ربّه، وودّعنا معه وجهًا كان يحمل السكينة، وصوتًا كان يمنح الطمأنينة، وقامةً اعتدنا أن نجد فيها السند والرأي والحكمة.
وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك لمحزونون”… قدر الله وما شاء فعل، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
رحل سليلُ عِرقٍ كريم، وابنُ بيتٍ عُرف بالمروءة والوفاء ابن الشيخ محمد الفايز من الذين حملوا أرواحهم دفاعًا عن فلسطين والمقدسات، وبقوا أوفياء للأردن وقيادته الهاشمية.
عرفناه جبلًا شامخًا، عزيز النفس متزن، حتى في رحيله غادر مبتسمًا، وكأن الابتسامة كانت رسالته الأخيرة، من عرفه شهد له بطيب القلب، وحسن المعشر، والاتزان في الحديث، والحكمة في المواقف، لم يكن يرفع صوته إلا حقًا، ولم يكن الغضب يسبق عقله.
كان صاحب نصيحةٍ هادئة، وكلمةٍ موزونة، وصمتٍ يحمل من الحكمة أكثر مما تحمله الكلمات.
وفي تفاصيل العائلة الصغيرة، كان يحمل قلبًا لا يشبه إلا نفسه، فإذا سأل عن شقيقته – والدتي – ناداها بحنانٍ: «حبيبتي»، وإذا ألمّ بنا أمرٌ قال عبارته التي بقيت عزيمةً في الذاكرة:
«أنا لا تهاب… أنا رشاش ومدفع بظهرك»
لا يقولها استعراضًا، بل ليزرع الطمأنينة ويمنح الشعور بأن هناك ظهرًا لا ينكسر.
كان حازمًا دون قسوة، صلبًا دون جفاء، رقيق القلب حتى إن الحزن على شقيقته كان يدمع عينيه رغم ما عُرف عنه من قوة وهيبة.
لهذا نصفه بـ الهرم الأخير؛ لأنه لم يكن مجرد رجل، بل مقامًا وهيبةً وذاكرةً ممتدة، وشيخًا وزعيمًا للقسطل، وحضورًا يصعب أن يملأ أحدٌ مكانه.
رحلت يا خال… لكن الأرواح الطيبة لا تغيب، والرجال الكبار لا يرحلون تمامًا؛ يبقون في الدعوات، وفي المواقف.
رحمك الله رحمةً واسعة، وأسكنك الفردوس الأعلى، وجعل ما تركت من محبةٍ وذكرٍ حسنٍ شاهدًا لك لا عليك، وداعاً أيها الهرم الأخير والخال الحبيب.