في الحقول الأردنية الممتدة من غور الأردن إلى مرتفعات الشمال وسهول البادية، تنهض كل صباح آلاف النساء لقطف الطماطم، وفرز الحمضيات، وتعبئة الخضار، ويعدن مساء بأجر يومي زهيد لا يتجاوز، في كثير من الأحيان، عشرة دنانير، من دون عقد عمل، أو ضمان اجتماعي، أو أي حصة في القيمة التي تنتجها أيديهن.
تلك النساء، اللواتي يشكلن عماد العمالة الزراعية الفعلية في كثير من المناطق، يقفن عند أدنى حلقة في سلسلة القيمة، يتحملن أشق العمل ويحصدن أقل العائد. والسؤال الذي يفرض نفسه على صناع القرار ليس: كيف نشغل هؤلاء النساء؟ بل: كيف نحولهن من عاملات بالأجر إلى مالكات لأصول إنتاجية وشريكات في الأرباح؟
هذا التحول ليس شعارا تنمويا، بل فرصة اقتصادية مهدرة؛ فالقيمة المضافة الحقيقية في الزراعة لا تتولد في لحظة القطف، بل فيما بعدها: الفرز، والتدريج، والتنظيف، والتشميع، والتبريد، والتعبئة، والتصنيع، والتسويق. وهذه الحلقات تحديدا هي التي تستأثر اليوم بالقيمة المضافة لصالح الوسطاء والمصدرين، بينما تبقى المرأة الريفية خارجها تماما. وتمثل التعاونية الاستثمارية النسائية الأداة الأقدر على إعادة توزيع هذه القيمة لصالح من ينتجها.
ولفهم حجم الفرصة، لا بد من تشخيص دقيق لواقع المرأة العاملة في القطاع الزراعي، بعيدا عن الخطاب الإنشائي؛ فالتحديات التي تواجهها ليست نتيجة قصور فردي، بل خلل بنيوي في طريقة تنظيم العمل الزراعي نفسها. يبدأ ذلك من الدخل المتدني وغير المستقر، إذ يجعل الأجر اليومي الموسمي دخل المرأة رهينا بموسم القطاف، فينقطع أشهرا طويلة من السنة، ويعجز عن تأمين حد أدنى من الاستقرار المعيشي للأسرة. ويتقاطع ذلك مع انعدام ملكية الأصول الإنتاجية؛ فالمرأة تعمل في أرض لا تملكها، وبأدوات لا تملكها، وضمن منشأة لا تملك منها شيئا، فتبقى أجيرة دائمة بلا أفق للتراكم أو الانتقال إلى موقع المالك.
ويضاف إلى ذلك ضعف الوصول إلى التمويل، إذ يحرم غياب الضمانات والملكية والسجل الائتماني المرأةَ الريفية من القروض، فتبقى خارج المنظومة المالية الرسمية رغم كونها فاعلا اقتصاديا يوميا. كما أن الطابع غير الرسمي للعمل، من دون عقد أو ضمان اجتماعي، يعني انكشافا كاملا أمام الإصابة والمرض والشيخوخة، وانعداما لأي حماية قانونية. وتغلق محدودية البدائل الاقتصادية هذه الدائرة؛ ففي كثير من المناطق الريفية لا تجد المرأة فرصة عمل خارج الحلقة الأدنى من الزراعة، فتحاصر بين بطالة مقنعة وعمل موسمي منهك. وهذه، في مجملها، ليست مشكلات رفاه اجتماعي، بل اختناقات اقتصادية تُبقي إنتاجية القطاع متدنية، وتحرم الاقتصاد الوطني من طاقة بشرية مدربة، وتكرس دورة الفقر في الريف جيلا بعد جيل.
التعاونية.. شركة استثمارية لا جمعية خدمات
وقال خبير الأمن الغذائي، الدكتور فاضل الزعبي، إن التعاونية التقليدية في الأردن، بصورتها السائدة، كيان خدمي محدود الطموح؛ يشتري المستلزمات بالجملة، أو يوزع قرضا، أو ينظم تدريبا، ثم يتوقف عند هذا الحد، لافتا إلى أن هذا النموذج استنفد قدرته على إحداث تحول حقيقي. وبين أن المطلوب اليوم نقلة نوعية في المفهوم: التعاونية بوصفها شركة إنتاجية استثمارية تمتلك أصولا رأسمالية، وتدار بمنطق الربحية والكفاءة، لا بمنطق الإعانة.
وأضاف: "في هذا النموذج، تؤسس التعاونية النسائية بوصفها شركة تعاونية إنتاجية تمتلك خط فرز وتدريج، ووحدة تشميع للحمضيات، وبراد تبريد، وخط تعبئة وتغليف. وتساهم النساء في رأس المال نقدا أو عينا أو عبر تمويل ميسر، فيصبحن شريكات مالكات لأصل استثماري يدر ربحا سنويا يوزع بحسب الحصص، لا مجرد مستفيدات من مشروع تنموي مؤقت ينتهي بانتهاء تمويل المانح. وهذا الفارق جوهري؛ فالمشروع التنموي يمنح سمكة لموسم، أما الأصل المملوك فيمنح مصدر دخل دائما قابلا للنمو والتوريث".
وتابع أن نجاح هذه التعاونيات مرهون بالتموضع في الحلقات الأعلى قيمة في سلسلة الإنتاج، لا في القطاف منخفض العائد. ويمكن أن تتخصص كل تعاونية في حلقة أو أكثر بحسب الميزة النسبية لمنطقتها. فتجميع المنتجات وفرزها يحول محصولا مبعثرا متفاوت الجودة إلى منتج موحد المواصفات يفرض سعرا أعلى في السوق، بينما يرفع التنظيف والتعبئة والتغليف جاذبية المنتج للأسواق المنظمة والتصدير عبر تغليف مطابق للمعايير. وتأتي عملية تشميع الحمضيات والليمون بوصفها خدمة عالية القيمة تطيل العمر التخزيني وتحسن المظهر، وهي خدمة تستورد اليوم من خارج المنطقة المنتجة، فيما تقلص خدمات ما بعد الحصاد والتبريد الفاقد الذي يلتهم نسبة كبيرة من المحصول الأردني قبل وصوله إلى المستهلك.
وزاد أن إنتاج الشتلات والإكثار النباتي يمثل، إلى جانب ذلك، نشاطا عالي القيمة المعرفية، يناسب العمالة النسائية الدقيقة، ويوفر دخلا على مدار العام. كما يحول التصنيع الغذائي المنزلي وشبه الصناعي، من المربيات والمخللات والأجبان إلى التجفيف، الفائضَ الموسمي إلى منتجات مخزنة قابلة للبيع. ويكتمل ذلك بالتسويق الإلكتروني المباشر، الذي يتجاوز الوسطاء عبر منصات بيع رقمية تربط المنتجة بالمستهلك مباشرة، فترفع هامش الربح، وتبني علامة تجارية محلية. وبهذا التموضع، تتحول التعاونية من تجمع لعاملات بالأجر إلى منشأة أعمال تحتجز القيمة المضافة داخل المجتمع المحلي بدلا من تسريبها إلى خارجه.
وبين أن التحدي الأصعب أمام هذا النموذج هو التمويل التأسيسي للأصول الرأسمالية، وأن الحل لا يكمن في انتظار منحة، بل في هندسة تمويلية مختلطة تجمع مصادر متعددة بحسب طبيعة كل مرحلة. فبرامج البنك المركزي الأردني لإعادة التمويل بأسعار فائدة منخفضة، والموجهة إلى القطاعات الإنتاجية والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، تشكل نقطة انطلاق طبيعية، تسندها مؤسسة الإقراض الزراعي بوصفها الذراع التمويلية الأقرب للنشاط الزراعي، شريطة تصميم منتجات إقراض تلائم الكيانات التعاونية، لا الأفراد فقط. وتنضم إلى ذلك البنوك التجارية ومؤسسات التمويل الأصغر عبر ضمانات جماعية تعوض غياب الضمان الفردي وتخفض المخاطر الائتمانية، فيما تتكفل الصناديق التنموية المحلية والدولية بتمويل الأصول الرأسمالية مرتفعة الكلفة، مثل خطوط الفرز والتبريد، عبر منح مشروطة بمساهمة ذاتية تضمن الجدية.
والمفتاح هنا هو ترتيب هيكل رأس المال: منحة أو تمويل ميسر للأصول الثابتة الكبرى، وقرض تجاري لرأس المال التشغيلي، ومساهمة عينية ونقدية من العضوات تضمن الملكية والالتزام. وهذا الترتيب يجعل التعاونية جديرة بالائتمان، بدلا من أن تبقى معتمدة على الدعم.
وقال: إن هذا النموذج لا يقاس بعدد المستفيدات، بل بأثره الاقتصادي المركب؛ فهو يرفع القيمة المضافة للمنتج الزراعي عبر معالجته محليا بدل تصديره خاما، ويزيد دخل الأسرة الريفية بتحويل المرأة من أجيرة موسمية إلى شريكة في الأرباح، ويخلق فرصا نوعية للشباب في الإدارة واللوجستيات والتسويق الرقمي، كما يخفض الفاقد الزراعي عبر التبريد والمعالجة السريعة، ويحسن تنافسية المنتج الأردني في أسواق التصدير عبر التدريج والتغليف المطابق للمعايير، ويعزز الأمن الغذائي الوطني بإطالة عمر المنتجات وتنظيم العرض، والمحصلة النهائية هي الحد المباشر من الفقر الريفي عبر مصدر دخل دائم لا موسمي.
وزاد أن النموذج المقترح ليس افتراضا نظريا، بل له سوابق ناجحة تستحق التأمل. ففي الهند، حولت تعاونية "أمول" للألبان ملايين النساء الريفيات من منتجات هامشيات إلى مالكات في واحدة من أكبر العلامات الغذائية في البلاد، عبر امتلاكهن حلقات التجميع والتبريد والتصنيع. وفي رواندا، مكنت التعاونيات النسائية لتجهيز البن وتدريجه النساء من الاحتفاظ بالقيمة المضافة التي كانت تتسرب إلى الوسطاء. وفي المغرب، أثبتت تعاونيات زيت الأركان النسائية أن امتلاك خط الإنتاج والعلامة التجارية يضاعف عائد المرأة أضعافا مقارنة ببيع المادة الخام. عبدالله الربيحات "الغد"