انتشرت خلال الساعات الماضية صورة من مباراة الأردن والأرجنتين ، تظهر قيام جمهور المنتخب الأرجنتيني برفع لافتة في المدرجات كُتب عليها : " لقد بعنا جملنا من أجل هذه التذاكر ! " ، وممهورة بعبارة : " الأمر يستحق ! " . للوهلة الأولى ، قد يبدو المشهد مجرد " دعابة " عابرة ، لكنه في العمق يكشف بوضوح مرعب عن تلك النظرة النمطية المتكلسة ، والاستعلاء الفكري الذي ما زال يسيطر على عقول الكثيرين خارج عالمنا العربي والإسلامي .
إنها ذات النظرة القاصرة التي تختزل شعوباً ضاربة في عمق التاريخ ، في صورة مشوهة لا تتعدى الخيمة والصحراء .
أولاً : سيكولوجية الاستعلاء وأمية الآخر الثقافية :
من المثير للسخرية ، بل ومن المستفز جداً ، أن نرى عقولاً في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لا تزال أسيرة لجهل ثقافي فاضح . إن هذه الرؤية تعكس " أمية معرفية " يعاني منها المشجع الغربي واللاتيني على حد سواء . هم لا يرون في العربي سوى كائن منفصل عن العصر ، متناسين ، جهلاً أو عمداً ، أن هذه " الصحراء " التي يحاولون السخرية منها ، هي التي تقود اليوم أحدث المشاريع العالمية ، وتضم أكثر المدن ذكاءً وتطوراً في العالم .
ثانياً : الجمل رمز أصالة ... وجهلكم هو العار :
الرد القاسي على هذا الفكر لا يعني أبداً أن نتنصل من تاريخنا أو من " الجمل " ، فالإبل كانت وما زالت رمزاً للصبر والتحمل والقدرة على التكيف في أقسى الظروف ، وهي موروث بيئي نعتز به ، تماماً كما تعتز الشعوب الأخرى برمزياتها التاريخية .
لكن المفارقة تكمن في العجز الفكري لهؤلاء ، فهم يفشلون عقلياً في الفصل بين " الأصالة والموروث " وبين " الواقع والمعاصرة " . هم يعتقدون أن اعتزازنا بجذورنا يعني أننا لم نبرح مكاننا ، في حين أن الحقيقة الصادمة لهم هي أن العربي اليوم يتميز في كل الميادين ، ويقود الطائرات ، ويدير المستشفيات ، وينافس في كبرى جامعات ومؤسسات التكنولوجيا العالمية .
ثالثاً : نحن أصحاب الحضارة والرسالة :
من يرفع مثل هذه اللافتات يحتاج إلى تذكيره بحجمه التاريخي ، فالعرب والمسلمون لم يكونوا يوماً على هامش التاريخ ، بل هم أصحاب حضارة عظمى ورسالة إنسانية خالدة . في الوقت الذي كانت فيه أوروبا وأمريكا اللاتينية تعيش في ظلمات الجهل ، كانت بغداد وقرطبة والقاهرة منارات للعلم والطب والفلك والرياضيات .
العرب هم من وضعوا أسس العلوم الحديثة التي بُنيت عليها حضارة العالم اليوم ، وهم الذين تميزوا في كل الميادين من الفلسفة والعمارة إلى التجارة والملاحة . نحن أمة حملت رسالة التنوير إلى البشرية جمعاء ، وعلمت العالم كيف يفكر وكيف يبدع .
رابعاً : حقيقة السخرية .. من هو البدائي فعلياً ؟
إذا كان جمهور الأرجنتين يظن أنه يتهكم علينا ، فإن الرد الحقيقي يكمن في قلب الطاولة ، لنرى من هو البدائي فعلياً . هل هو العربي الذي يستوعب ثقافة الغرب والشرق ويتحدث لغاتهم ، أم هو ذلك الشخص " المركزي " الذي يعيش في قوقعة فبركية ، ولا يعرف عن العالم الخارجي سوى ما تلقنه إياه شاشات التلفزة وهوليوود ؟
إن من يعجز عن رؤية التطور الهائل والنهضة العمرانية والفكرية في العالم العربي ، هو شخص مصاب بالعمى الحضاري التام .
إن مباراة كرة قدم هي مجرد تسعين دقيقة في مستطيل أخضر ، لكنها خارج الملعب تعيد تذكيرنا بالمعركة الثقافية المستمرة . نحن لسنا بحاجة لشهادة حسن سلوك حضاري من مجتمعات تائهة .
إن " الجمل " الذي يسخرون منه ، حمل يوماً رسالة وهبّت من صحرائه حضارة علّمت أجدادهم كيف يحسبون ، وكيف يقرؤون النجوم ، وكيف يداوون الأمراض . لذا ، قبل أن تسخروا من تذاكرنا وجِمالنا ، اذهبوا واقرؤوا تاريخكم أولاً لتعرفوا من أين استمدتم نور علمكم !