من المؤسف أن يخرج بين الحين والآخر من يحاول تقديم صورة مشوهة عن المتقاعد، فيصفه بأنه أصبح عبئًا على أسرته أو عالة على المجتمع، أو يحوله إلى مادة للسخرية والتهكم بحجة الموعظة أو الترفيه. وهذا ليس مجرد رأي عابر، بل إساءة صريحة لفئة قدّمت من أعمارها وشبابها وصحتها الكثير من أجل أن ينعم الآخرون بالأمن والاستقرار والخدمات والحياة الكريمة.
نعم، قد يواجه بعض المتقاعدين صعوبة في التأقلم مع مرحلة التقاعد، وهذا أمر طبيعي. فمن أمضى عشرات السنين ملتزمًا بنظام دقيق، ومواعيد ثابتة، ومسؤوليات يومية، قد يجد نفسه أمام واقع مختلف يحتاج إلى وقت حتى يعتاد عليه. وهذه ليست نقطة ضعف، بل نتيجة طبيعية لسنوات طويلة من الانضباط والعطاء والعمل المتواصل.
المتقاعد هو الإنسان الذي ضحّى في ريعان شبابه، وسهر الليالي بينما كان غيره ينام مطمئنًا. هو الذي حمل المسؤولية في أصعب الظروف، وتحمل ضغوط العمل ومشقاته، وأسهم في بناء مؤسسات الدولة وخدمة المجتمع، كلٌّ في موقعه. فمن غير المقبول أن يُختزل تاريخه الطويل بكلمات ساخرة أو عبارات جارحة تنكر فضله وتتنكر لتضحياته.
إن احترام المتقاعد ليس منّة من أحد، بل واجب أخلاقي ووطني. فمن خدم وطنه بإخلاص يستحق أن يعيش حياة كريمة تحفظ له مكانته، وأن تتوفر له جميع متطلبات الحياة، ماديًا ومعنويًا. فالراتب التقاعدي الكريم، والرعاية الصحية، والتقدير المجتمعي، والاهتمام النفسي والاجتماعي، ليست مطالب رفاهية، وإنما حقوق مستحقة لمن أفنى سنوات عمره في خدمة وطنه وأبنائه.
والأشد أسفًا أن يتحول بعض من يفترض أنهم أصحاب رسالة توجيه وإصلاح إلى صناع محتوى يبحثون عن الضحك بأي ثمن، فيجعلون من المتقاعد مادة للتهكم والاستهزاء. فالموعظة الحقيقية لا تُبنى على السخرية من الناس، ولا على تحقير فئة تستحق الاحترام، بل تقوم على الحكمة والكلمة الطيبة والارتقاء بالذوق العام. أما تحويل المنابر أو الشاشات إلى ساحات للتهريج والإساءة، فهو سقوط في الرسالة قبل أن يكون إساءة للمتقاعد.
المجتمعات الراقية تُقاس بمدى احترامها لكبار السن والمتقاعدين، لأنهم يمثلون الذاكرة الوطنية والخبرة المتراكمة. وهم ليسوا خارج دائرة الإنتاج، بل يمتلكون من التجربة والحكمة ما يجعلهم قادرين على الإسهام في توجيه الأجيال، ونقل الخبرات، ودعم مسيرة التنمية. فالخبرة لا تتقاعد، والعطاء لا يتوقف بانتهاء الوظيفة.
المتقاعد لم يصبح عالة، بل هو شريك أصيل في كل إنجاز تحقق، وشاهد على مراحل البناء، وصاحب فضل فيما تنعم به الأجيال اليوم من أمن واستقرار ومؤسسات. ومن الواجب أن يبقى محل احترام وتقدير، لا هدفًا للتنمر أو التقليل من شأنه.
إن الأوطان التي تحفظ كرامة متقاعديها هي أوطان تحفظ كرامة تاريخها. أما الانتقاص منهم، فهو انتقاص من قيم الوفاء والعدل والاعتراف بالجميل. ومن يستهين بمن خدم وطنه بالأمس، لن يجد من يخدمه بإخلاص غدًا.
سيبقى المتقاعد رمزًا للعطاء، وعنوانًا للوفاء، وشريكًا أساسيًا في استمرار الحياة ودفعها إلى الأمام. وسيظل الاحترام والتقدير حقًا أصيلًا له، لا يقبل المساومة ولا الانتقاص، لأن الأمم التي تنسى أصحاب الفضل، تفقد جزءًا من أخلاقها قبل أن تفقد جزءًا من تاريخها.