لستُ ممن يجيدون صناعة المديح أو التزلف للمسؤولين، ولم يكن قلمي يومًا أداةً لتلميع أحد. فمنذ أكثر من خمسة عشر عامًا وأنا أتابع المشهد العام في محافظة جرش، أكتب عندما أرى تقصيرًا، وأنتقد عندما يستدعي الأمر ذلك.وفي المقابل، أؤمن بأن الإنصاف يقتضي الاعتراف بالنجاحات كما يقتضي الاعتراف بالإخفاقات، لأن المصداقية لا تتجزأ. فالكتابة الصادقة لا تنحاز للأشخاص، بل تنحاز للحقيقة، والحقيقة تقتضي أن يُقال للمحسن: أحسنت، وللمقصر: قصّرت.وخلال سنوات المتابعة، تعاقب على محافظة جرش محافظون، وحكام إداريون، ورؤساء تنفيذيون، منتخبون ومعيّنون، ولكل منهم جهوده التي تُحترم وتُقدَّر. فلا يمكن إنكار ما قدّمه السابقون، كما لا يجوز مصادرة حق اللاحقين في التقدير عندما ينجحون في صناعة الفارق.واليوم، تبدو جرش أمام حالة مختلفة، عنوانها العمل بروح الفريق الواحد. فالتنسيق بين الحاكمية الإدارية والرؤساء التنفيذيين لم يعد مجرد اجتماعات بروتوكولية، بل أصبح نهجًا عمليًا ينعكس على أرض الواقع من خلال المتابعة اليومية، وسرعة معالجة القضايا، وتذليل العقبات التي تواجه تنفيذ المشاريع أو تقديم الخدمات للمواطنين. فالقرار الذي يبقى حبيس المكاتب لا يغيّر واقعًا، أما القرار الذي ينزل إلى الميدان فيصنع أثرًا يلمسه المواطن كل يوم.والأهم من ذلك أن صوت المواطن لم يعد حبيس الشكوى. فما يُنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي من مطالب خدمية أو ملاحظات أو انتقادات يجد متابعة جادة في كثير من الأحيان، حيث يجري التنسيق بين الحاكمية الإدارية والجهات المختصة لمعالجة القضايا وفق الأصول، بما يضمن حق المواطن في الحصول على الخدمة، ويؤكد أن النقد المسؤول أصبح مصدرًا للمعلومة وفرصةً للتطوير، لا سببًا للمواجهة أو التجاهل. إن بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة يبدأ حين يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن ملاحظته لا تُهمل، وأن شكواه تتحول إلى إجراء لا إلى ملف يُغلق.وهذا النهج لا يأتي من فراغ، بل ينسجم مع التوجيهات الملكية السامية التي أكدت مرارًا أن المسؤول الحقيقي هو من يعمل بين الناس، ويستمع إليهم، ويتابع قضاياهم في الميدان، وأن نجاح مؤسسات الدولة يُقاس بمدى تعاونها وتكاملها، لا بعدد الاجتماعات أو المخاطبات الرسمية. وهذا هو جوهر الإدارة الحديثة؛ أن يكون المسؤول حاضرًا في الميدان قبل أن يكون حاضرًا في التقارير.ومن باب الإنصاف، فإن ما نشهده اليوم في جرش يعكس قيادة ميدانية يتقدمها الدكتور مالك الخريسات، محافظ جرش، بالتعاون مع الحكام الإداريين والرؤساء التنفيذيين في مختلف المؤسسات، حيث برز تناغم واضح في الأداء، وسرعة في اتخاذ القرار، وحرص على إزالة المعيقات وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين. فالإنجاز الحقيقي لا يُقاس بعدد البيانات الصحفية، بل بعدد المشكلات التي انتهت، والمشاريع التي أُنجزت، ومدى رضا المواطن عن الخدمة التي يتلقاها.ولا أدّعي أن كل شيء مثالي، فالكمال لله وحده، وما تزال هناك تحديات وملاحظات وقضايا تحتاج إلى مزيد من العمل والمتابعة. لكن العدالة تفرض أن نذكر الإيجابيات كما نذكر السلبيات، وأن نمنح كل ذي حق حقه بعيدًا عن المجاملة أو التجريح.فالأوطان لا تُبنى بالنقد وحده، ولا بالمديح وحده، وإنما تُبنى عندما يصبح النقد مسؤولية، والإنجاز ثقافة، والعمل الميداني نهجًا ثابتًا، وتغدو مصلحة المواطن البوصلة التي تتجه إليها جميع مؤسسات الدولة.وحين يلتقي القرار بالإرادة، والإدارة بالميدان، والتعاون بالمسؤولية، يصبح الإنجاز واقعًا لا شعارًا، وتتحول مؤسسات الدولة إلى فريق واحد يعمل لهدف واحد هو خدمة الوطن والمواطن. وعندها فقط، تُكتب نماذج النجاح التي تستحق أن تُروى، لا لأنها خالية من التحديات، بل لأنها اختارت مواجهتها بالفعل لا بالقول.