على امتداد التلال السامقة من جبال الشراة، حيث يعانق الشموخ سحب السماء، تربض مدينة الطفيلة كأيقونة أردنية خالدة صاغ التاريخ تفاصيلها من طين النقاء وسطر رجالاتها ملاحم الوفاء والانتماء. إنها الإرث الممتد في عمق الزمان، والقلعة العصية التي تروي للذاكرة الوطنية سيرة وطن بُني على العزة والكرامة والالتفاف حول الراية الهاشمية المباركة. حين نتأمل الطفيلة، فإننا لا نقف أمام مجرد حيز جغرافي محدود، بل أمام سفر كبرياء إنساني وحضاري يتجلى في أبهى صور الهوية الأردنية الجامعة، متمثلاً في تماسكها الاجتماعي المتين وشغف أبنائها الفريد بالعلم والمعرفة، والذين يقدر تعدادهم اليوم بنحو مئة وأربعة عشر ألف نسمة (114,000 نسمة)، يتوزعون بملامحهم الأصيلة وكثافتهم الاجتماعية الواعية على مساحة جغرافية تبلغ ألفين ومئتين وتسعة كيلومترات مربعة (2,209 كم²)، لتشكل هذه المساحة بنسبة 1% من إجمالي سكان الأردن، وبكثافة سكانية تبلغ واحداً وخمسين وستة بالعشرة شخص لكل كيلومتر مربع (51.6 شخص/كم²)، لوحة بشرية وجغرافية نابضة بالحياة والعطاء والتأثير الإستراتيجي عبر ألوية القصبة وبصيرا والحسا.
لقد تبرعمت الهوية التاريخية للطفيلة منذ فجر التاريخ فوق هذه الجبال المنيعة، حيث كانت منطقة بصيرا عاصمة نابضة للمملكة الأدومية في الألف الأول قبل الميلاد، فامتد من هناك وهج حضاري واقتصادي فريد، عُرفت في ظلاله المدينة باسم توفل الذي يحيل إلى الصلصال الطاهر، لتتعاقب عليها بعد ذلك حضارة الأنباط العظيمة والرومان، تاركين وراءهم شواهد أثرية باقية كقصر الدير والسلع. ومع بزوغ فجر الإسلام وتمدده نحو بلاد الشام، غدت جبال الطفيلة وأوديتها مسرحاً لأوائل التضحيات الإسلامية، فاحتضن ثراها الطهور أجساد الشهداء الأبرار الذين عُرفوا بالشهداء الحارثيين، وفي مقدمتهم الحارث بن عمير الأزدي، رسول المصطفى عليه الصلاة والسلام الذي كان بدمه الطاهر الشرارة الأولى لغزوة مؤتة، وفروة بن عمرو الجذامي، أول شهيد في الفتح الإسلامي خارج الجزيرة العربية، والذي آثر التضحية بحياته والثبات على دينه الحق ومواجهة الوعيد الروماني، لتظل مياه عفرة شاهداً تاريخياً على أن هذه الأرض جُبلت بالشهادة والفداء منذ بواكير التاريخ.
وفي العصر الحديث، تجلت الهوية السياسية للطفيلة كركيزة صلبة من ركائز تأسيس الدولة الأردنية؛ إذ سارع أبناؤها وعشائرها بدافع من الولاء المطلق والشهامة المتأصلة إلى نصرة ومؤازرة قادة الثورة العربية الكبرى من بني هاشم الأخيار، مقدمين التضحيات الجسام في سبيل بناء وتثبيت أركان وطن حر عزيز، وهو الموقف المشرف الذي قابله الشريف الحسين بن علي بتقدير عالٍ حين أطلق عليها لقب الطفيلة الهاشمية، ليبقى هذا اللقب وسام فخر يعلق على صدور أبنائها جيلًا بعد جيل. وقد تواصل هذا العهد الإستراتيجي الوثيق في ظل الملوك الهاشميين، بدءاً من الملك المؤسس عبد الله الأول الذي حظيت الطفيلة باهتمامه الباكر بمشاركة أبنائها في صياغة المشهد الإداري والعسكري للدولة الناشئة، مروراً بالملك طلال بن عبد الله الذي شهدت فترته ترسيخ الدستور وتطوير التعليم الأساسي، وصولاً إلى عهد الملك الباني الحسين بن طلال الذي شهدت المحافظة في أيامه طفرة تنموية وصناعية كبرى تجسدت في منشآت وطنية ضخمة، ليتعزز هذا المشهد برؤية الملك المعزز عبد الله الثاني ابن الحسين الذي أولى الطفيلة عناية تنموية فائقة، فغدت منارة علمية بجامعتها التقنية التي ترفد الوطن بالكفاءات، وحاضنة لأكبر مشاريع طاقة الرياح النظيفة، مما يؤكد الاهتمام الملكي المستمر بدعم شبابها وتحقيق نهضتها الاقتصادية المستدامة.
إن القوة الاقتصادية للطفيلة تنبع من ثراء أرضها وتنوع مواردها الإستراتيجية، حيث تمزج هويتها الاقتصادية بين ثروات الأرض والصناعات الثقيلة والطاقة المتجددة؛ فمن مناجم الحسا يتدفق الفوسفات كشريان اقتصادي بارز، ومن ثنايا جبالها يُستخرج الحجر الجيري والصلصال ليغذي مصنع إسمنت الرشادية الذي يعتبر ركيزة من ركائز الصناعة الوطنية ومشغلاً حيوياً للأيدي العاملة، وفي ذات الوقت استثمرت المدينة ارتفاع جبالها الشاهقة لتصبح العاصمة الحقيقية لطاقة الرياح في المملكة من خلال مزارع الرياح الشاسعة التي تولد الكهرباء النظيفة، فضلاً عن تميزها الفريد في قطاع السياحة البيئية والعلاجية عبر محمية ضانا للمحيط الحيوي التي تصنف كأيقونة عالمية للسياحة البيئية، وحمامات عفرة والبربيطة المعدنية التي تقصدها الوفود للاستشفاء والسياحة.
هذا التميز والمهابة ألهمت القرائح الشعرية والأدبية منذ القدم، فحضر ذكر جبال الشراة وامتدادها الجغرافي والقبلي في الشعر الأموي على لسان الشاعر القطامي، كما تبارى شعراء الأردن المحدثون في صياغة أبهى القصائد تودداً لجبالها وشموخها، فذكرها شاعر الأردن الأكبر مصطفى وهبي التل (عرار) في ثنايا قصائده الوطنية، واعتز بها الشاعر حيدر محمود واصفاً إياها بأجمل الأوصاف الأدبية، وتغنى بجمالها وعزتها الشاعر والروائي أيمن العتوم بوصفه ابناً باراً لهذه الأرض التي تلهم معاني الشموخ وتفيض بروح العزة والأنفة والأدب الرفيع:
يا جبال الطفيلة الشامخات
أنتِ في الصدرِ قلادةٌ من فخارِ
تظل الطفيلة في الوجدان الأردني قصة كبرياء محفورة في الصخر الأدومي العتيق ومكتبوبة بمداد المجد والوفاء التليد، وهي المدينة التي تمد يدها نحو المستقبل بكل ثقة متمسكةً بأصالتها التاريخية وعطائها الاقتصادي المتجدد وصوتها السياسي المؤثر. إنها حكاية الشموخ الأردني الذي لا تنال منه الأيام، وموطن الرجال الأوفياء الذين يسيّجون حدود الوطن بقلوبهم، لتبقى الطفيلة الهاشمية منارة للعلم، وقلعة للصمود، وركيزة أبدية من ركائز الهوية الوطنية الأردنية التي تعانق قمم الجبال ثباتاً ورسوخاً وتميزاً.