يشهد المجتمع الأردني في الآونة الأخيرة نقاشاً مجتمعياً واسعاً وتباينًا لافتاً في الآراء حول طقوس العزاء ومدتها؛ فبين من ينادي بالاقتصار عليها في المقبرة، ومن يحددها بيومين أو ثلاثة، أو يحصرها في ساعات محددة تبدأ من بعد صلاة العصر وحتى العاشرة مساءً، تبرز هذه المناسبات كإحدى ركائز التكافل الاجتماعي والوقوف الإنساني النبيل إلى جانب أهل الفقيد في مصابهم الجلل.
ويرى دعاة تقليص أيام العزاء أو إلغاء الصيوان أو إلغاء العزاء تماماً أن الأوضاع المعيشية والضائقة الاقتصادية التي تحيط بالعديد من الأسر تفرض إعادة النظر في هذه الممارسات، خاصة مع التكاليف المادية الباهظة التي تتطلبها ولائم الطعام المفروضة بحكم العادة على أهل المتوفى، في حين كان الأولى والأجدر بالجيران والأصدقاء التكفل بها تفعيلاً للسنة النبوية الشريفة: «اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم». وفي مقابل هذا التحجج بالظروف المادية، يبرز تناقض عجيب يظهر في مظاهر البذخ والترف المبالغ فيها بمناسبات أخرى كحفلات الزفاف، وأعياد الميلاد، وتخريج التوجيهي والجامعات التي تُبذل فيها مبالغ طائلة وتُجمع فيها الهدايا والأموال (النقوط). وهنا يُطرح التساؤل بإنصاف: إذا كان المتوفى قد ترك لأبنائه مالاً وفيراً، أو إرثاً من السمعة الطيبة والمنزلة والمكانة الاجتماعية (النوماس) التي لا تُقدر بثمن، فهل من الوفاء له أن يُختصر عزاؤه بالمقبرة دون إكرام تاريخه بما يليق؟
إن تيسير طقوس العزاء لم يعد معضلة لوجستية بفضل التطور الاجتماعي للأسر الأردنية؛ فقد باتت أغلب العائلات والعشائر تمتلك دواوين وجمعيات خاصة مجهزة بالكامل لاستقبال المعزين، مما يرفع عن كاهل ذوي المتوفى مشقة وتكاليف بناء الخيم واستئجار الكراسي والمستلزمات. وتتوج هذه المنظومة بصور مشرقة من التكافل عبر الصناديق العائلية التي تُمول باشتراكات ومساهمات رمزية من أفراد العشيرة لتغطية نفقات الضيافة، إلى جانب تبادل الأدوار الفعال بين الأقارب لتأمين الطعام والشراب لأهل الفقيد طيلة أيام العزاء، مما يجسد المعنى الحقيقي للمساندة دون إحراج أو كلفة زائدة.
وبين هذه الآراء المتعددة، وأمام من يتصدرون منصات الرأي لطرح مقترحات قد تبتعد أحياناً عن روح الترابط الاجتماعي، فإن رأيي الشخصي يميل إلى تبني صيغة متوازنة تحفظ هيبة العزاء وتراعي الظروف في آن واحد: وهي الإبقاء على العزاء لـمدة ثلاثة أيام مع حصر وقتها من بعد صلاة العصر وحتى العاشرة مساءً، على أن يقتصر تقبيل التعازي فيها على تقديم القهوة السادة والماء فقط لا غير، وتجنب إقامة أي ولائم أو وجبات طعام داخل الديوان نهائياً. إن الإبقاء على العزاء بحدوده المعقولة يمثل حاجة إنسانية ملحة؛ فحضور المعزين ومواساتهم يساهم بشكل عميق في تخفيف الصدمة ووطأة الفقد، لا سيما في حالات الوفاة المفاجئة التي تقع كالصاعقة على ذوي المتوفى، والذين يكونون في أمسّ الحاجة لدفء محيطهم الاجتماعي ومواساته، لا إلى العزلة ووحشة الفراق خلف الأبواب المغلقة.