لا يمكن ابدا ان نقارن بين ما نسمعه عن دور قواتنا المسلحة الاردنية في عمليات حفظ السلام العالمية من سمعة طيبة واحتراف وقيم والتزام ، وبين ما يمكن ان يشاهده المرء على ارض الواقع حين يكون في زيارة الى هذه القوات في احدى البلدان .
بلاد غنية بمواردها الطبيعية الغزيرة المياه والغابات والامطار والاخشاب وكل انواع الفاكهة النادرة ، لكنها الفقيرة بأمنها وسوء توزيع الثروات فيها ووسيطرة العصبيات والاثنيات والقلاقل التي اطاحت بمقدرات الدولة ، وتوقفت عجلة الانتاج واصبحت البلاد تستورد ما تنتج وتعجز عن توفير الامن والسلامة لمواطنيها ، فكان تدخل هيئة الامم المتحدة وكان تواجد قواتنا المسلحة الاردنية وسرايا الشرطة الخاصة وفريق التدخل السريع من الامن العام للاسهام في توفير الامن والسلامة لسكان البلاد.
جيشنا العربي الاردني يضطلع باصعب المهمات في ساحل العاج ، وتشعر وكأن القوات الاردنية هي رأس الرمح بل المرتكز الاساسي لقوات حفظ السلام باكملها هناك ، وأنقل حديث قائد القوات الدولية في ساحل العاج الجنرال بيرينا الذي قال : اعتمادنا الاساسي على القوات الاردنية ، لقد ارسلنا سرية اردنية الى منطقة صعبة جدا واهلها يكرهون قوات الامم المتحدة ولكن خلال اسبوع واحد وجدنا القوات الاردنية قد غيرت سلوك الناس هناك وتحول الاعداء الى اصدقاء ، لقد قاد هذه المهمة العقيد موفق الخالدي كانت الحرب الاهلية على اشدها ولا تفرق بين احد فالكل مرشح لان يكون ضحية بلا ثمن ، فكان دور القوات الاردنية في انقاذ العديد من الرعايا العرب خاصة اللبنانيين والفلسطينيين ، لقد لجأوا الى موقع قيادة القوة الاردنية عدا عن الذين نقلتهم الكتيبة الاردنية بالياتها ، لقد اخلى قائد القوة منامه لتسكن فيه عائلة عربية ، وتقاسم الجنود مع من لجأ إليهم لقمة الخبز ، وقد قامت الكتيبة الاردنية باخلاء السفير السعودي الى مطار البلاد في وقت اشتداد الازمة ، وهناك مواقف وشواهد عديدة عرفناها هناك ولم نعرفها هنا للاسف.
ومن المهمات الحرجة للجيش العربي الاردني انه تولى نقل كتائب من الجيش العاجي من اماكن مختلفة واعادتهم الى اماكن اخرى ، لقد طال الجيش العاجي التمزق وتفكك ولم تعد لديه اليات ولا يتوفر اكثر من مجموعة لواء تولاه الجيش الاردني بالرعاية والحماية ومن هنا اخترت عنوان هذه المقالة ( جيش يرعى جيش ) وهذا ما كان يحدث فعلا .. القوات الاردنية في ساحل العاج هي اكبر قوة اردنية في عمليات حفظ السلام ، وهي عصب القوات الدولية في تلك البلاد ، فقائد القاطع الرئيسي في ابيدجان العاصمة الذي يسيطر على نصف البلاد ذات العشرين مليونا هو اردني العميد الركن طايل منيزل الدلابيح ويتولى قيادة مجموعة كتائب من دول توغو وبنين و مالاوي اضافة الى الكتيبة الاردنية / ۱۱ المجهزة كوحدة قتالية متكاملة وتمثل رأس الحربة للقوات الدولية بقيادة العقيد الركن نظام الزغول .
وهناك ايضا القوة الاردنية التي هي احتياط رئيسي بيد قائد القوات الدولية بقيادة العقيد الركن علي المطالقة ، ومن ضباط القيادة الاساسيين العقيد الركن نادي العبادي وهناك ضباط في التخطيط والخرائط ، ولا يمكن الا ان نثمن دور سرايا الامن العام التي تؤدي اجبا في حراسة الشخصيات والزيارات ووفرت الاجواء المناسبة للانتخابات التي جرت في البلاد .
عرفت هناك ان القيادة العامة الاردنية هي التي تخصص ميزانية لكل كتيبة اردنية في عمليات حفظ السلام المويل اقامة ايام العون الطبي وتقديم المساعدات العينية ، ولم نكن تعلم ان كتيبة ساحل العاج الاردنية تقدم الف لتر ماء نقي للشرب شهريا توزع على المواطنين .
لقد حضرت يوما تطوعيا اردنيا في احد احياء ابيدجان الفقيرة مع العقيد الركن نظام الزغول ، جتمع في ساحة المدرسة التي جرى فيها هذا النشاط اكثر من اربعمائة شخص مع ممثل عن التعليم العالي ممثل عن بلدية الحي ، كميات كبيرة تم توزيعها وبعضها من الهيئة الخيرية الهاشمية ، واستمعنا لكلمات من القلب تحدث فيها اهل الحى ، وما لفت نظري ان الطلبة قاموا بأداء نشيد بلادهم الوطني بلا عزف موسيقى بل ياصواتهم ، ولاحظت انهم جميعا ينشدون بمظهر جدي وايديهم اليمنى على قلوبهم ، وينطقون اللحن بقوة تخرج من الاعماق وتقرأ على قسمات وجوه الجميع بغض النظر عن العمر شدة الانتماء للوطن ، لا فرق بين من يلبس لباسا نظيفا وذلك الذي لا يرتدي حذاء ، ونسبة من لا يرتدي حذاء فاقت الـ ٤٠% .
وقفت باعجاب الى وجوه تمتلىء بالفقر وملابس تبحث عن ملابس ، ولكنهم بنفوس امتلأت بالعزيمة وعكست التربية الوطنية العميقة. شيخ عاجي هو عبد سي سي من خريجي الازهر الشريف قال : ( لم نر ملككم عبدالله ولكن احببناه لان عنده شعب مثلكم ) ، اما مترجم الكتيبة عمر مصطفى سي فقد قال قواتكم هي ليست للحماية فقط بل هي دعاة خير ونشر للرحمة والعطف وادخال السرور على وجوه الاطفال. هكذا باختصار المختصر كان المشهد في تلك البلاد، صورة من حياة صعبة بسبب فقدان الامن والاستقرار ، تلمس فيها وتقرأ البؤس والمأساة في كل جانب ولكن مع غنى الوطنية التي تسكن فيهم ، والصورة الاخرى نشامى الاردن من رجال الجيش العربي الاردني والامن العام وهم يصنعون السلام في بلد طالما يبحث عنه ، ويعكسون صفات الاردنيين في الشهامة والنخوة وتمثل القيم الاصيلة ، وهذا هو القليل من كثير فيه الاعتزاز والفخار برجال جيشنا العربي الاردني ، واجب تميز بالاحتراف العسكري ولكن بروح انسانية وبقيم تجلّت واختلطت بالشهامة ودافع الرغبة بالخدمة وسط اجواء مشحونة ، لان الرجال هناك يعملون وصورة الوطن الاردني لا تبرحهم ، وقد آمنوا بالواجب من خلال الواقع الذي يعيشونه ورؤيتهم لمأساة انسان وادراكهم ان الانسانية لا تعرف الحدود ولا تعرف التصريحات البعيدة عن الحقيقة أو التكهنات والملاطشات التي تبحث عن سلم لتسلق درجاته في وقت يتسلق العسكريون الاردنيون سلم المجد الذي يأتي اليهم ..