عندما توفي أبي، وكدت أن افقد الحياة بعده، كان أكثر ما اسمعه على سبيل المواساه من بعض المحبين والأصدقاء "الزمن بنسّي” ، ولكن مع مرور الايام، اكتشفت بأن الايام تمضي والحياة تشغلنا لكن "اللي بالقلب .. بالقلب " بمعنى ان الزمن قد يجعلنا نعتاد الغياب لكن نعيش مع كافة معاني الالم والفقد الممزوج بالاشتياق، ونتعلم معنى التعايش ولكن كل معنى للفرح منقوص، أبي الذي رحل فجر الاول من نيسان من 2016, ذلك التاريخ الذي لا أنساه ما حييت ، الذي حفر بي علامة لا يمكن للزمان محوها، مهما بلغت حلاوة الايام.
ولا يسعني في ذكرى وفاته إلا ان أتذكر مناقب ذلك الرجل صاحب الفضل الذي لطالما استمعت لأحاديثه بمنتهى الشغف وهو يتحدث عن الجيش، هذه المؤسسة العريقة والتي اعتبرها أكثر ما يربطني بروحه، ذلك الرابط الذي لم ينقطع حتى بعد رحيله، بل زاد وكبُر وتغلغل في قلبي فوالدي خدم في الجيش، علمنّنا معاني الحب اللامشروط للوطن ومعاني الانضباط والولاء السامية، نعم لقد تعلمت منه ان حب الأوطان ومكانها يسكن القلوب قبل الخرائط، ويترجم إلى أفعال.
أبي الذي تعلمت منه كل معاني الوفاء، والأخوة والصداقة الوافية والحقيقية، كان دائم الحديث عن الرفاق "رفاق السلاح " الذين كانوا بمثابة اخوة لهم، كان يتحدث عن الرجال الذين خدموا الوطن بشرف، رفاق السلاح، إخوة الميدان وسند الوطن وسياجه المنيع، الذين قدموا ارواحهم رخيصة للوطن والأرض .
لأبي ذلك السند الذي لم أخشى السقوط بوجوده، والذي تعلمت منه معنى الصمود والوقوف في احلك الظروف ، والذي تعلمت بعد رحيله ان اكون اصلب واقوى وان أجابه كل شيء مهما بلغت صعوبته ، نعم رحل أبي ولكنه زرع فينا ما لا يمكن نسيانه ، من معاني الخير ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، الي الصديق والمعلم والموجّه الاول الذي كان سيلاً من الحب والدعم والحنان الذي لا ينضب ، وسنداً لا يميل.
أبي الذي لا زالت صورته بزيّه العسكري محفورة في ذاكرتي، وأحاديثه التي لا تُمل حاضره في القلب مع كل موقف ، قدّم لنا الكثير في حياته ، ولا زلنا ننعم بخيره حتى بعد مماته ، سلامٌ عليه والف رحمة لروحه الطاهرة ، وسلامٌ لاولئك الآباء الذين غادروا هذه الارض ، وبقيت أرواحهم تحرس أحبابهم من بعيد...