أوصى إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ الدكتور أحمد بن علي الحذيفي المسلمين بتقوى الله وخشيته، مبينًا أن التقوى سبب لانشراح السرائر، ونور تنفتح به البصائر، وأن أهل التقوى ينعمون بجنة الدنيا، ويعيشون في معية الله، مستشهدًا بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ).
وأوضح أن المقصد الذي أجمع العقلاء على السعي لتحقيقه، رغم اختلاف طبائعهم ومشاربهم، هو طمأنينة القلب وسكينة النفس، التي بها تكون الحياة الطيبة والعيشة الراضية، لافتًا إلى أن كثيرًا من الناس انحرفوا عن سبيلها، بينما دلّ الله عباده على طريقها بقوله سبحانه: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
وبيّن الشيخ الحذيفي أن سعادة الإنسان وطمأنينته وانشراح صدره لا تتحقق بالمظاهر الدنيوية المجردة، ولا بالماديات الزائلة، وإنما بعمارة القلب بتوحيد الله حق توحيده، والإيمان به، واستقامة الجوارح على العمل الصالح وامتثال هدى الله؛ فبذلك تزكو النفس وتسمو، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس الغِنى عن كثرة العرض، ولكن الغِنى غِنى النفس".
وأشار في تفسير قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ)، إلى أن الله سبحانه جمع في القرآن العظيم أسباب السعادة في الدنيا والآخرة، وأسرار السرور في الدارين، فهو حياة للقلوب، وطمأنينة للنفوس، ونعيم للحياة، وراحة للأرواح.
وأضاف أن الحياة مع القرآن تلاوةً وتدبرًا وعلمًا وعملًا هي النعيم الحق الذي يتضاءل أمامه كل نعيم دنيوي؛ فالمؤمن حين ينهل من معين ذكر الله يرتوي قلبه طمأنينة، وتفيض روحه سكينة، تصديقًا لقوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).
وقال فضيلته إن الحياة الطيبة أثر من آثار اتصال القلب بخالقه، وامتلائه بتوحيده، واعتماده عليه، وسكونه إليه، ورضاه بقسمته، وغناه به عن خلقه، مبينًا أن توحيد الله حق توحيده، وكمال توجه القلب إليه وحده في كل حال، هو أعظم أسباب الأمن والسكينة، وأجل أسرار انشراح الصدر وطمأنينته، خاصة عند اضطراب المتغيرات، واشتداد المكدِّرات.
وبيّن إمام وخطيب المسجد النبوي أن السعادة معنى باطن وشعور كامن، لا يُرى بالأعين، ولا يُوصف تمامًا بالألفاظ، ولا يُشترى بالأموال والمتاع، لكنها تُعرف بآثارها وأنوارها، التي يجدها المؤمن في مشاعر السكينة ورضا النفس وغناها وطمأنينتها وسرورها.
وأكد أن المؤمن إذا تدبر القرآن وتأمل معانيه أدرك أن الإسلام ينبذ إهمال مظاهر الحياة وأسبابها المادية، وأنه ليس دينًا معزولًا عن واقع الحياة ومباهجها، بل يجعل تلك المظاهر وسائل وأسبابًا لا تتحقق بها سعادة المرء بمجرّدها؛ موضحًا أن السعادة الحقيقية تتحقق بالإيمان بالله، والصدق، والعمل الصالح، مع التمتع بما أحل الله من مباهج الحياة دون غفلة عن المقاصد والغايات.
واختتم الحذيفي بالتأكيد على أن على المؤمن أن يجمع بين التعلّق بالله وتوحيده وعبادته، وبين الأخذ بأسباب الحياة والاستمتاع بالمباح من مظاهر الدنيا، في منهج رباني كامل، وتشريع إلهي شامل لمقتضيات الحياة، يوفّي النفس حقها، ويربطها بخالقها، ويذكّرها بمصيرها وحياتها الآخرة الدائمة.