بين شواطئ البحر الأبيض المتوسط في جنوب إسبانيا ، وتلال شرق المتوسط في بلاد الشام ، خيط رفيع من التاريخ نسجه الفاتحون الأوائل . لم يكن ارتباط مدينة ملقة ببلاد الأردن مجرد تشابه عابر ، بل كان تجسيداً لوطن نُقلت تفاصيله بوعي وحنين ليُعاد بناؤه فوق تراب الأندلس ، حتى عُرفت المدينة تاريخياً بلقب أردن الأندلس .
الجذور التاريخية للتسمية :
يعود أصل التسمية إلى منتصف القرن الثاني الهجري ، وتحديداً في عام 742 م ، عندما واجهت الدولة الأموية في الأندلس اضطرابات داخلية . حينها ، استعان الوالي أبو الخطار الكَلبي بالأجناد الشامية لتهدئة الأوضاع .
وعندما استقر الأمر ، قرر الوالي توزيع هذه القبائل والجند على أقاليم الأندلس بناءً على تشابه تضاريسها مع مواطنهم الأصلية في المشرق :
جند دمشق : استقروا في إلبيرة ( غرناطة ) .
جند حمص : استقروا في إشبيلية .
جند الأردن : خُصصت لهم كورة رَيّة ، وكانت عاصمتها آنذاك مدينة أرخدونة قبل أن تنتقل السيادة والمركزية لمدينة ملقة الساحلية .
لماذا ملقة ؟ ( فلسفة التشابه الجغرافي ) :
لم يكن استقرار جند الأردن في ملقة عفوياً ، بل جاء نتيجة ذكاء بيئي وتخطيطي . فقد وجد المقاتلون القادمون من جند الأردن في ملقة صورة طبق الأصل عن بلادهم :
المناخ المتوسطي : تشترك المنطقتان بصيف دافئ وشتاء معتدل ، مما سهل على المهاجرين التأقلم السريع .
التضاريس : تتميز ملقة بجبالها المحيطة التي تنحدر نحو الساحل ، وهو مشهد يذكر بمرتفعات الأردن المطلة على الأغوار والبحار .
الزراعة والحياة الاقتصادية : نقل جند الأردن معهم خبراتهم الزراعية ؛ فاشتهرت ملقة بإنتاج التين والزيتون والعنب ، وهي المحاصيل ذاتها التي كانت وما زالت عماد الزراعة في بلاد الأردن . حتى أن تين ملقة أصبح يُضرب به المثل في الجودة كما كان يُضرب بتين الأردن .
ملقة في عيون المؤرخين والشعراء
سجل الجغرافيون المسلمون هذا الارتباط في كتبهم ، فكانوا يصفون كورة رية بأنها أردن الأندلس . ويقول لسان الدين بن الخطيب ووصفها المؤرخون بأنها مدينة طيبة الهواء ، كثيرة الفواكه ، غلب عليها طابع الجند الذين نزلوها .
هذا الارتباط لم يكن عسكرياً فقط ، بل تحول إلى رابط اجتماعي ، حيث حافظت العائلات التي استقرت هناك على أنسابها الشامية لقرون ، ونقلوا معهم نظام الري وتقنيات الفلاحة الشامية التي حولت ملقة إلى جنة خضراء .
الإرث الحديث : ملقة في الدراسات المعاصرة :
في العصر الحديث ، أعاد الباحثون إحياء هذا الرابط ، ومن أبرزهم معالي الدكتور صلاح جرار في دراسته المعمقة حول المدينة . فقد أثبتت الدراسات أن الروح الأردنية ظلت حاضرة في ملقة حتى بعد سقوطها في عام 1487 م ، سواء في هندسة الري أو في المطبخ الملقي الذي يتشابه في بعض عناصره مع المطبخ الشامي القديم .
إن لقب أردن الأندلس ليس مجرد استعارة شاعرية ، بل هو وثيقة تاريخية تؤكد كيف استطاع الإنسان العربي أن ينقل وطنه في قلبه ويغرسه في أرض جديدة . ملقة ، تلك المدينة التي تشرق شمسها اليوم على السياح من كل مكان ، لا تزال في ذاكرة التاريخ تحمل بصمة جند الأردن الذين رأوا فيها طبرياهم وجبالهم ، فجعلوها أجمل ثغور الأندلس .