أصبحت حالة الوعي الأردني بالبيئة المحيطة اليوم، والقدرة على الفهم والتحليل والحكم المنطقي، أكثر وضوحًا وجلاءً في ظل الأحداث الإقليمية المتسارعة. فقد شكّلت هذه التطورات اختبارًا حقيقيًا ومقياسًا واضحًا كشف كثيرًا من المواقف والولاءات التي كانت تختبئ خلف خطابٍ يقوم على التبسيط المُخلّ وتغذية الانقسام.
إن الإشكال في التصرفات المستفزة التي صدرت مؤخرًا تجاه الأردنيين لا يمكن اختزاله في الأشخاص المسيئين فحسب؛ بل إن الأخطر يتمثل في محاولة تصوير الإساءة للرموز الوطنية على أنها مجرد اختلاف في الرأي. فالبعض يحاول تحوير الحقيقة عبر اختزال ما يجري وتقديمه على أنه مسألة شخصية، أو حرية رأي، أو سجال فردي عقيم، في حين أن الوقائع تشير إلى مسار منظم ومتدرج الأدوات، واضح الأهداف، يستهدف الدولة في مواقفها السيادية ومؤسساتها ورموزها، ويسعى إلى التشكيك في قراراتها ومواقفها.
ما يحدث اليوم ليس مجرد تفاعل عابر على منصات التواصل الاجتماعي، بل هو مسار ممنهج تُستخدم فيه لغة انتقائية وتبسيط مخلّ بهدف إفراغ الوقائع من سياقها الحقيقي. ويتم نقل النقاش من جوهره الوطني والسيادي إلى إطار شخصي مُفتعل، بما يخدم هدفًا واضحًا يتمثل في إرباك الوعي العام وتشتيت الانتباه عن حقيقة الاستهداف القائم.
إن تصوير المواقف الصريحة المدافعة عن الدولة على أنها "سجال شخصي” هو قلبٌ للوقائع؛ فالدفاع لم يكن يومًا بحثًا عن حضور أو تفاعل، بل أداءً لواجب وطني في مواجهة استهداف يتجاوز الأفراد أحيانًا، ليصل إلى منصات وشخصيات تحمل صفات رسمية أو شبه رسمية، أو جهات حزبية منفلتة. وهنا تخرج المسألة من نطاق الرأي إلى نطاق المسؤولية الوطنية والأمن القومي للدولة.
لقد خاض شباب الأردن معركة الوعي في مواجهة الاستهداف الخارجي والداخلي بروح من التعاضد والتكاتف، متجاوزين الخلافات في الشؤون الداخلية، ومُدركين لحجم التحديات التي تحيط ببلدهم. ففي إقليمٍ ما يزال مضطربًا وغير مستقر منذ عقود، استطاع الأردن – بفضل حنكة قيادته السياسية – أن يتجنب كثيرًا من العواصف التي عصفت بالمنطقة، وأن يحافظ على استقراره ومؤسساته.
إن الوعي الوطني اليوم لم يعد مجرد شعار، بل أصبح مسؤولية جماعية تتطلب إدراك طبيعة المرحلة، والتمييز بين النقد المشروع ومحاولات التشكيك الممنهجة التي تستهدف الدولة ومكانتها.