وسط الطبيعة الخضراء التي تشتهر بها محافظة عجلون، تبرز باعون كواحدة من القرى الأردنية التي حافظت على هويتها وموروثها الاجتماعي، لتجمع بين جمال المكان وعمق التاريخ في مشهد يعكس خصوصية الريف الأردني.
ورغم ما شهدته القرية من تطور في الخدمات والبنية التحتية خلال السنوات الماضية، فإنها ما تزال تحافظ على قيم التكافل والتعاون والعادات المتوارثة، لتقدم نموذجا متوازنا يجمع بين الأصالة والتنمية ويعزز حيوية مجتمعها المحلي.
وتشكل الزراعة أحد الركائز الأساسية في حياة سكان باعون، إذ تشتهر القرية بزراعة أشجار الزيتون واللوزيات والمحاصيل الموسمية، ما أسهم في توفير مصدر دخل للعديد من الأسر ودعم النشاط الاقتصادي المحلي، حيث تواصل هذه الأنشطة دورها في الحفاظ على الطابع الريفي للقرية وتعزيز ارتباط السكان بأرضهم وتراثهم الزراعي.
وأكد رئيس لجنة مجلس محافظة عجلون المهندس معاوية عناب، أن "باعون" تمثل نموذجا للقرية التي نجحت في الحفاظ على هويتها الثقافية والاجتماعية رغم المتغيرات والتطورات التي شهدتها مختلف القطاعات خلال العقود الماضية.
وأشار إلى أن ما يميز القرية لا يقتصر على طبيعتها الخلابة وموقعها الجغرافي فحسب، بل يمتد إلى ما تحمله من إرث إنساني واجتماعي يعكس تفاصيل الحياة الريفية وقيم التعاون والتكافل التي رسخت العلاقات بين أبناء المجتمع المحلي عبر الأجيال.
من جانبه، قال مدير ثقافة عجلون سامر فريحات، إن باعون تشكل جزءا مهما من المشهد الثقافي والتراثي في المحافظة، لما تزخر به من موروث شعبي غني يعكس تاريخ المنطقة وتحولات الحياة الاجتماعية فيها.
وأضاف أن توثيق هذا الإرث والحفاظ عليه يعدان مسؤولية ثقافية ووطنية، خاصة في ظل ما تختزنه الروايات الشفوية من معلومات وشهادات توثق مراحل مهمة من تاريخ المجتمع المحلي وتطوره الاجتماعي والاقتصادي.
بدوره، أوضح الأكاديمي الدكتور عاصم عنيزات، أن باعون ما زالت تحتفظ بملامحها التاريخية والتراثية، من خلال البيوت الحجرية القديمة والأراضي الزراعية والطرق التقليدية ما يعكس طبيعة الحياة التي سادت المنطقة لعقود طويلة.
وأشار إلى أن موقع القرية وسط مرتفعات عجلون منحها أهمية خاصة وأسهم في استقرار سكانها وارتباطهم بالأرض والزراعة، لافتا إلى أنها ما تزال تحتفظ بذاكرة مكانية غنية توثق جوانب متعددة من التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للمحافظة.
من جهته، بين الباحث في التراث الشعبي الدكتور عبدالله الخرفان، أن شهادات كبار السن في القرية تعكس نمط حياة اعتمد على العمل الجماعي والاعتماد على الذات، حيث ارتبطت حياة الأهالي بالزراعة وتربية المواشي ومواسم الحصاد وتوفير المياه من الينابيع والآبار.
وأضاف أن قصص التعاون الاجتماعي بين الجيران في مختلف الظروف ما تزال حاضرة في القرية، وتشكل جزءا أصيلا من منظومة القيم الاجتماعية التي عرفت بها قرى عجلون عامة وباعون على وجه الخصوص.
وقال وجيه المنطقة غسان بني مرتضى، إن أبناء "باعون" ما زالوا يستذكرون تفاصيل الحياة القديمة بما حملته من بساطة ومودة وترابط اجتماعي، حيث كانت العلاقات تقوم على التواصل المستمر والمشاركة في المناسبات المختلفة.
وأكد أن الكثير من أبناء القرية حافظوا على ارتباطهم بمسقط رأسهم رغم تغير أنماط الحياة، لما توفره باعون من استقرار اجتماعي وشعور عميق بالانتماء للمكان.
وفي السياق ذاته، قالت ربة المنزل هند فواعره، إن المرأة في باعون لعبت دورا محوريا في إدارة شؤون الأسرة والمشاركة في الأعمال الزراعية، إلى جانب مسؤولياتها اليومية في تأمين احتياجات المنزل في ظل الإمكانات المحدودة آنذاك.
وأضافت أن ذكريات الأمهات والجدات ما تزال حاضرة في وجدان أبناء القرية، خاصة ما يتعلق بتحديات الحياة قبل وصول الخدمات الحديثة، مؤكدة أن تلك التجارب أسهمت في ترسيخ قيم العمل والصبر والاعتماد على النفس لدى الأجيال المتعاقبة.