في عصر أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، لم تعد هذه المنصات مجرد وسيلة للتواصل والترفيه، بل تحولت إلى مصدر رئيس للمعلومات، بما في ذلك المعلومات الصحية. فبضغطة زر، يمكن لأي شخص الوصول إلى آلاف النصائح الطبية، والوصفات العلاجية، ومقاطع الفيديو التي تقدم حلولًا لمختلف المشكلات الصحية. ورغم أن هذا التطور أسهم في تعزيز الثقافة الصحية وسهولة الوصول إلى المعرفة، إلا أنه في الوقت ذاته فتح الباب واسعًا أمام انتشار المعلومات المضللة وغير الدقيقة، والتي قد تكون آثارها أخطر من المرض نفسه.
تكمن المشكلة في أن جزءًا كبيرًا من المحتوى الصحي المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي لا يستند إلى الأدلة العلمية، وإنما يعتمد على تجارب شخصية، أو آراء غير المختصين، أو معلومات تُتداول دون التحقق من صحتها. والأسوأ من ذلك أن بعض صُنّاع المحتوى يقدمون أنفسهم على أنهم خبراء في المجال الصحي، مستغلين ثقة المتابعين وعدد المشاهدات، رغم افتقارهم إلى التأهيل العلمي أو الترخيص المهني.
وقد أدى هذا الواقع إلى انتشار ظاهرة مقلقة تتمثل في العلاج الذاتي، حيث يلجأ البعض إلى تناول الأدوية أو الأعشاب أو المكملات الغذائية اعتمادًا على منشور أو مقطع فيديو أو توصية من أحد المؤثرين، دون استشارة الطبيب أو الصيدلاني.
ويترتب على ذلك مخاطر صحية متعددة، من بينها تأخر تشخيص الأمراض، وحدوث مضاعفات قد يصعب علاجها، إضافة إلى التداخلات الدوائية الخطيرة التي قد تهدد حياة المرضى.
ومن أكثر الأمثلة خطورة الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية، إذ يعتقد بعض الأشخاص أنها علاج مناسب لكل أنواع الالتهابات، في حين أن استخدامها دون وصفة طبية أو دون الحاجة الفعلية يسهم في ظهور البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، وهي مشكلة صحية عالمية تُعد من أكبر التحديات التي تواجه الأنظمة الصحية في الوقت الحاضر.
كما أن انتشار الادعاءات المتعلقة بالعلاجات "السحرية" أو "المعجزات الطبية" يرسخ مفاهيم خاطئة لدى المجتمع، ويمنح المرضى آمالًا زائفة قد تدفعهم إلى ترك العلاجات المثبتة علميًا، أو تأخير مراجعة المختصين، مما يؤثر سلبًا في فرص الشفاء.
ولحماية أنفسنا من التضليل الصحي، ينبغي التوقف قليلًا قبل تصديق أي معلومة أو إعادة نشرها، وطرح مجموعة من الأسئلة الأساسية، منها:
* هل صدرت المعلومة عن وزارة الصحة أو جامعة أو مستشفى أو مؤسسة صحية معروفة؟
* هل تستند إلى أبحاث أو دراسات علمية منشورة؟
* هل يقدم المحتوى معلومات متوازنة توضح الفوائد والمخاطر، أم يروج لنتائج سريعة ومبالغ فيها؟
* هل يشجع على مراجعة الطبيب عند الحاجة، أم يدعو إلى العلاج الذاتي؟
* هل يهدف المحتوى إلى التثقيف الصحي، أم إلى التسويق لمنتج أو خدمة؟
ومن المهم أن ندرك أن عدد المتابعين أو شهرة صاحب الحساب لا يمثلان دليلًا على صحة المعلومات، فالمعيار الحقيقي للمصداقية هو الاعتماد على الأدلة العلمية والجهات الصحية الرسمية، وليس عدد الإعجابات أو المشاركات.
وفي ظل التدفق الهائل للمعلومات عبر المنصات الرقمية، أصبحت المسؤولية مشتركة بين المؤسسات الصحية ووسائل الإعلام والجامعات والعاملين في القطاع الصحي، إلى جانب أفراد المجتمع. فتعزيز الثقافة الصحية، ونشر المعلومات المبنية على الأدلة، والتصدي للشائعات الصحية، جميعها عناصر أساسية لحماية صحة المجتمع وتعزيز الثقة بالمصادر العلمية الموثوقة.
ختامًا، فإن القرار الصحي قرار مصيري لا ينبغي أن يُبنى على منشور مجهول أو تجربة فردية، بل على المعرفة العلمية والاستشارة المهنية. فصحة الإنسان أغلى من أن تكون مجالًا للتجربة أو الشائعات.
ولنجعل شعارنا دائمًا: تحقق أولًا، واستشر المختصين، واتخذ قرارك الصحي بناءً على الأدلة العلمية، لا على ما يتداوله الآخرون.