حدّثنا لسانُ الأردن، وهو لسانٌ إذا نطق أزهر البيان، وإذا صدح انتظم المعنى في عقد الوجدان، وإذا ذكر الهاشميين تطيّبت الحروف، وتهلّلت السطور، وارتفعت اللغةُ على منابر الإجلال، فقال:
لما أقبل الصباحُ على الأردن، أقبل كأنه موكبُ ضياءٍ تمشي في ركابه الرايات، وتنتظم في أفقه المدن والبوادي والسهول والجبال، وتُشرق المحافظات كالدُّرر في تاجٍ هاشميٍّ عظيم؛ لكل درّةٍ لونُها، ولكل أرضٍ سرُّها، ولكل محافظةٍ نبرتها في نشيد الوطن.
وفي علياء هذا المشهد المهيب، يسطع اسم جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، تاجًا للعهد، وساريةً للمجد، وميزانًا للحكمة، وامتدادًا هاشميًا مباركًا جمع أصالة الرسالة، ورفعة الدولة، ونبض الشعب، ورؤية المستقبل.
فمن عمّان، دار المُلك وقلب المملكة ومقام القرار، تنهض الجبال السبعة كأنها منابر عهدٍ ووفاء، وتطل العاصمة بوجه الدولة الواثق، حاملةً هيبة الحكم، ورونق العمران، وعبق التاريخ، كأنها واسطةُ التاج ومفتاح الحكاية.
ومن إربد، روضة العلم وسهل السنابل وعروس الشمال، يطلع الوعي من مدارسها وجامعاتها كما يطلع الزهر من خاصرة الربيع، وتمتد سهولها الخضراء كأنها دفاتر خصبٍ ومعرفة، تكتب للأردن سيرة العقل، وحيوية الشباب، وبهجة الحصاد؛ وفي ذاكرتها يلمع اليرموك شاهدًا على مجدٍ خالد، فجمعت إربد بين نور العلم، وخصب الأرض، ووقار التاريخ.
ومن الزرقاء، حاضرة العسكر والعمل والإنتاج، وساعد الوطن وهمّة بنائه، يدور نبض الصناعة، وتعلو قيمة الجهد، وتلتقي همّة الإنسان بكرامة الإنجاز، فهي كفُّ الأردن حين تبني، وذراعه حين ينهض، وميدانٌ رحبٌ للسواعد المؤمنة بالعمل والولاء.
ومن البلقاء، موئل الحكمة وذاكرة الجبال ووقار السلط، تمشي العراقة على الدرج العتيق، وتتلألأ بيوتُ السلط من حجرها الأصفر، كأنها صحائفُ ذهبٍ خطّ عليها التاريخُ وقارَ المدينة وسيرةَ أهلها، وفي أهلها طيب المروءة، وفي طرقها مجد التاريخ، وفي جبالها سمت الكبار.
ومن المفرق، رحاب البادية وبوابة الأفق وساحة الكرم، تمتد الأرض كصدرٍ عربيٍّ واسع، وتسطع النخوة في مضاربها، وتفيض الضيافة من خيامها وبيوتها، كأنها قصيدةٌ رحبةٌ كتبتها الصحراء بلغة الصفاء والوفاء.
ومن جرش، مدينة الأعمدة ومسرح الحضارة وذاكرة الجمال العتيق، يتكلّم الحجر بلسان الفن، وتنهض الأقواس شاهدةً على بهاء المكان، وتصفّق المدرّجات القديمة لروعة الحاضر، وتمشي الذاكرة بين الساحات والأعمدة كأنها لحنٌ أردنيٌّ عتيقٌ يردّد نشيد المجد عبر الزمان.
ومن عجلون، خضراء الأردن وقلعة العز ووشاح الغابات، يهبّ النسيم من بين الزيتون والصنوبر، وتصعد القلعة في الأفق كأنها تاجٌ من مهابةٍ على الجبين، محافظةٌ لبست من الخضرة جمالها، ومن الجبل وقارها، ومن أهلها صدقها وطيبها.
ومن مادبا، مدينة الفسيفساء والوئام وجمال التفاصيل، تتآلف الحجارة الصغيرة في لوحةٍ كبرى رتّب التاريخُ ألوانها بحكمة الجمال، وتتعانق النقوش كما تتعانق القلوب، ويطلّ جبل نيبو من عليائه شاهدًا على سعة الأفق وسموّ المعنى، وتبوح مادبا في حضرة الوطن بأن الجمال حين يكتمل بالوئام يصير رسالةَ محبة، وأن التآلف إذا صدق غدا فنًّا خالدًا، وذاكرةً مضيئةً، ووشاحًا من بهاءٍ على كتف الوطن.
ومن الكرك، قلعة الجنوب ومقام الشهامة وعرين المروءة، تسمو القلعة بوقارها، وتضيء مؤتة في ذاكرتها مقامًا لمعركةٍ خالدةٍ وشهادةٍ عظيمة، وتفوح البيوت برائحة القهوة والوفاء، وتحضر المروءة في طباع أهلها حضورًا نقيًا، كأن الكرك رايةٌ من مجدٍ كريم، ومحرابٌ للعزة، ومدرسةٌ في النخوة.
ومن الطفيلة، لؤلؤة الجنوب وموطن الينابيع وعرش الجبال، تنساب المياه من عيونها كأنها تراتيلُ نقاءٍ رتّلتها الأرضُ على مسامع الصخر، وتنهض السفوح في عليائها كأنها منابرُ شموخٍ ترفع للسماء سيرة المكان، وتفيض من أهلها شهامةٌ صافية وطيبةٌ أصيلة، كأن الطفيلة قطعةٌ من بهاء الجنوب، جمعت صفاء الماء، ومهابة الجبل، ودفءَ القلوب، فكانت مرآةَ الأرض النبيلة، وواحةَ النقاء، ولؤلؤةً مضيئةً في جيد الوطن.
ومن معان، بوابة الثورة العربية الكبرى ومهد البدايات الهاشمية ومحراب الذاكرة العربية، ينهض الأفق في رحابها كأنه صدرُ فجرٍ أول، خطّت عليه الراياتُ وصايا النهوض، وتجلّت في رمالها مهابةُ العهد وسموُّ الفروسية ونقاءُ الرسالة، وتنبض أرضها بسيرة الراية الهاشمية، كأن معان مطلعُ التاريخ حين يستعيد مجده، ومهدُ الراية حين تعانق السماء، وموطنُ العهد حين يتحوّل من خطى على الرمل إلى خلودٍ في ضمير الوطن.
ومن العقبة، ثغر الأردن الباسم وبحره الأزرق ونافذته على المدى، تلمع الشمس على صفحة الماء كأنها توقيع الوطن على دفتر الأفق، وتجتمع التجارة والسياحة والحياة في ميناءٍ بهيّ، يفتح للمملكة باب البحر، وللحلم جناحًا نحو العالم.
أنتم للبلاد ذُروةُ سَمتِها، وللدولة تاجُ وقارها، وللراية أفقُ عزّها، وللشعب طمأنينةُ قلبه ويقينُ عهده. في حضرتكم تتجلّى هيبةُ المُلك بمعنى الرسالة، وتأتلف الحكمةُ مع جلال العزم، وتنهض المملكةُ مرفوعةَ المقام، واثقةَ المسير، بهيّةَ الحضور، كأنها في سجلّ الأمم سِفرٌ من نورٍ هاشمي، خطّت صفحاته بصيرةُ قائد، ووشّحته محبةُ شعب، وتوّجه تاريخٌ عظيمٌ يليق بالأردن، أرضًا ورسالةً وراية.
يا ابن الحسين؛
في جلالتكم يلتقي مجد الهاشميين بنبض الأردنيين، وتتصل راية الآباء برؤية الأبناء، ويغدو العرش أمانةَ بناء، والدولة ميثاقَ وفاء، والقيادة نهجَ كرامة، والإنسان غايةَ الرسالة ومعناها. أنتم سليل بيتٍ عظيم جعل من الحكم مسؤولية، ومن الوطن رسالة، ومن الكرامة نهجًا، ومن المستقبل وعدًا مضيئًا.
وللأردنيين مع جلالتكم حكايةُ محبةٍ وولاء؛ حكايةٌ تكتبها القلوب قبل الأقلام، وتحملها الرايات قبل الكلمات، وتردّدها المحافظات جميعًا بصوتٍ واحدٍ مهيب: الأردن هاشميُّ الراية، عربيُّ الرسالة، عزيزُ المقام، وجلالة الملك عبدالله الثاني قائدُ المسيرة، وراعي النهضة، وصاحب العهد، وموئل الوفاء.
فسلامٌ على عبدالله الثاني ما أشرقت عمّان على جبالها، وما أنبتت إربد سنابلها، وما أبدعت الزرقاء بسواعدها، وما ازدانت البلقاء بحكمتها، وما اتسعت المفرق بكرمها، وما تحدّثت جرش بأعمدتها، وما اخضرّت عجلون بزيتونها وغاباتها، وما تلألأت مادبا بفسيفسائها، وما شمخت الكرك بقلعتها، وما جرت الطفيلة بين ينابيعها، وما حفظت معان ذاكرة الراية، وما ابتسمت العقبة لبحرها وأفقها.
وسلامٌ على الأردن، مملكةً من نورٍ ووفاء، ورايةً من عزٍّ وبهاء، وشعبًا إذا ذُكر مليكه أشرقت وجوهه محبة، وإذا خفقت رايته امتلأت قلوبه فخرًا، وإذا نادى الوطن أجابت المحافظات كلها بصوتٍ واحد:
لك العهد يا أردن، ولك الوفاء يا أبا الحسين، ولراية المجد الهاشمي منا الولاء.