حتى لا تفوتك آخر الأحداث والأخبار العاجلة
عبيدات
يكتب .. رُمّان كفرسوم... حكايةُ ماءٍ وأرضٍ لا تنتهي
نيروز
– بقلم المهندس عاهد عبيدات
زمان...
قبل أن
تُعرف كفرسوم برمانها، كانت تُعرف بعيونها. هناك، حيث تنبع الحكايات من الماء قبل أن
تنبع من أفواه الرجال. من عين سعيد، وعين الباردة، وعين الكفير، وعين العرايس، وعين
الغدير، وعين حروبيا، وعين الفوتحة، وعين التراب، وعين الغزالات، وعين العكوع، وعين
سعسل... كانت الحياة تسيل رقراقةً نحو السفوح والوديان، تحمل معها بشائر الخير، وتكتب
أولى فصول الحكاية.
لم يكن
الرمان يومها محصولاً زراعياً فحسب، بل كان فرداً من العائلة. يكبر مع الأطفال، ويشيخ
مع الرجال، ويحفظ أسرار البيوت كما تحفظ الجدران أصوات أصحابها.
في مواسم
القطاف، كانت كفرسوم تستيقظ باكراً. تسبقها إلى البساتين خطى المزارعين الذين أحبوا
الأرض فأحبتهم. رجالٌ نقشوا أسماءهم على جذوع الأشجار قبل أن تنقشها الذاكرة في وجدان
القرية. من أمثال عارف السلامة، وأحمد الحسين، وعلي الحسين، وأحمد الكايد، وإبراهيم
البكار، وأحمد أبو غزال، ويوسف الحمزة، وعلي المطلق، ومحمود العوض، وبدرة أبو علوش،
وأبو فياض، عرسان ،توفيق الفندي ، محمد موسى العكش، خلف فياض ابوغزال، سعود السعد،
محمد البخيت، محمد احمد سلامه، احمد الفندي ابو ممدوح، علي الجير محمود الجبر، علي
عبدالله عبيدات ، حامد المطلق، فالح ابو علوش، عبدالله جريس، ابراهيم البكار، ابو نزيه،
عبدالله السمارنه ، جبرالعزام، حامد المطلق، عوض الحجات، عبدالله البركات ، الفاطمات،
وغيرهم من الرجال والنساء الذين حملوا همّ الشجرة كما يحمل الأب همّ أبنائه.
كانوا
يعرفون أن الرمان يحتاج إلى صبرٍ أكثر مما يحتاج إلى ماء، وأن الشجرة لا تعطي سرّها
إلا لمن يمنحها عمره. فزرعوا وغرسوا وسقوا وانتظروا، حتى تحولت كفرسوم إلى واحدة من
أهم حواضن الرمان في الأردن، وأصبحت الثمرة الحمراء سفيرةً للقرية في الأسواق والبيوت.
وكان للرمان
موسمٌ يشبه الأعياد. تتزين الأغصان بثمارها الياقوتية، وتضج البساتين بالحركة والضحكات،
وتتحول الأرض إلى لوحةٍ تتدرج فيها ألوان الأخضر والأحمر والذهب. هناك كانت تُصنع الذكريات،
وتولد الحكايات التي ما زالت تتناقلها الأجيال.
لكن أجمل
ما في حكاية رمان كفرسوم أنها لم تتوقف عند جيل الرواد. فما زرعه الآباء والأجداد لم
يبقَ مجرد ذكرى، بل أصبح مشروع حياةٍ متجدداً. فالأبناء والأحفاد ما زالوا يحملون الرسالة
ذاتها، ويواصلون العناية بالشجرة التي أصبحت جزءاً من هوية المكان.
وفي هذا
السياق، برز دور تعاونية كفرسوم الزراعية لمنتجي الرمان، التي أخذت على عاتقها حماية
هذا الإرث الزراعي وتطويره، من خلال دعم المزارعين، ونشر المعرفة الزراعية الحديثة،
والترويج للمنتج، وفتح آفاق جديدة للتسويق والتصنيع الزراعي. فأصبحت التعاونية جسراً
يصل بين خبرة الماضي ومتطلبات الحاضر وطموحات المستقبل.
واليوم
لم يعد الرمان مجرد ثمرةٍ موسمية، بل قطاعاً اقتصادياً واعداً يساهم في التنمية الاقتصادية
والبشرية، ويوفر فرص العمل، ويعزز دخل الأسر الزراعية، ويدعم صمود المزارع في أرضه.
وأصبح الحديث عن رمان كفرسوم حديثاً عن اقتصاد محلي، وعن تراثٍ زراعي، وعن هويةٍ تتجدد
مع كل موسم.
وحين ننظر
إلى المستقبل، فإننا لا نرى مجرد أشجارٍ مثقلة بالثمار، بل نرى أبناء كفرسوم وهم يحملون
إرث آبائهم إلى آفاقٍ أوسع، ونرى الرمان يدخل مجالات التصنيع والتسويق والسياحة الزراعية،
ويواصل رحلته التي بدأت من عيون الماء القديمة، وما زالت مستمرة.
هكذا كانت
الحكاية...
بدأت من
قطرة ماء، ومن يد فلاح، ومن شجرة رمان صغيرة غُرست بحب.
وما زالت
حتى اليوم تكبر...
كما تكبر
كفرسوم.