مؤلم جداً ان تشعر باليُتمِ مرتين ؛ واليوم فقط أدركتُ انك حين يصيبك اليتم في الضربة الثانية يكون موجعاً أكثر من الاولى بكثير …. فحين مات ابي رحمه الله أخذتني الصدمة عن استشعار معنى اليتم في لحظة وفاته ؛ وتكفلت سنوات العمر و"كفوف" الدنيا المتلاحقة لتعلمني المعنى الحقيقي لليتم بما فيه من انكسار للظهر وما فيه من الوحدة …. وما ان أدركت كل ذلك حتى أصابني الموت مرة أخرى اليوم بوفاة العم العزيز فالح النحلة " ابو المعتز " ….
لم يكن ابو المعتز صديق والدي الاقرب فقط ؛ بل كان عماً عزيزا ؛ فلم يكن العيد ليبدأ الا اذا انتهى يومه الاول في بيت ابي المعتز منذ كنا أطفالا الى ان اختار الله والدي الى جواره ؛ وكان فرحنا في عيديته لا يضاهى ؛ ليس فقط لأنها كانت دسمة … بل لأنه كان يعطيها بحب وبفرح و "من نفس " …. كبرنا وكبر فينا حب ابو المعتز بعد ان فهمنا على " كبر " لماذا نحبه ؟ لأنه مختلف في طيبته وحبه وشهامته وصدقه !
حين جاءني الخبر صباحاً ينعاه ؛ تذكرت كل سنوات اليتم بكل تفاصيلها المريرة ؛ وتذكرت ان ابو المعتز كان أبي دون ان ادري طوال السنوات الثلاث عشرة الماضية ؛ وكنت كلما ضاقت بي الدنيا أذهب اليه ؛ أجالسه فأشعر انني اجالس ابي رحمه الله ؛ يعانقني - كما لم يعانقني أحدٌ - عند لقائي به فأشعر انني في حضن أحمد الدباس ؛ يهلّي بي ( يا هلا يا هلا يا هلا بعلوش) فأتذكر ان ابي نفسه لم يناديني بإسم الدلع كما يفعل أبو المعتز ؛ يحدثني عن أحمد وقصصه التي لا تنتهي فاستجمع قواي وأسند ظهري بهذه السردية ؛ وأتذكر ان الارث الكبير الذي أحمله وأراه في عيون هذا الرجل هو مصدر فخر لا أساس العلة كما يوسوس لي الشيطان أحياناً !
كانت جلسته فيها الصفاء والصراحة ؛ والمحبة والكرم ؛ والحب والشهامة …. وكنت حين اشكو له لؤماً ما ، يقول لي ( انسى … الدنيا رايحة ) ؛ كان يحب الناس كل الناس ؛ وكان فزعةً للمحتاج ؛ يقف الى جانب المكلوم ؛ ويغيث الناس ما استطاع اليه سبيلاً حتى لو بلسانه الدافئ وكلامه الطيب الذي يبعث الأمل بالنفوس … حتى اذا هدأت النفس ارتسمت على وجهه ضحكة تشعرك ان الدنيا "لسه بخير" !
كان سؤاله الذي يشعرني دائما بحنانه كأبٍ حقيقي سؤالاً ملغوماً ( بعدك بتروح ع بغداد ؟ ) وحين أجيبه بالايجاب يتبعها ( دير بالك يا ولد ) … وكثيراً ما هاتفني حين يقرأ في الاخبار العاجلة عن عمل ارهابي هناك متسائلا ( ابني انت ببغداد ولا بالبلاد ) فأجيبه في البلاد حتى لو كنت هناك فيقول لي ( خلص مع السلامة ) فأفهم أنه القلق الذي مبعثه روح ابو المعتز الابوية !
هذا الرجل الذي فيه كل صفات الرجولة الحقيقية وتحمل الكثير من الاذى عبر سنوات عمره ؛ كان ارفق مع ذلك من كل الناس وقلبه به من الرقة والمحبة ما يتسع للدنيا ؛ توسلت اليه بكل ما في الدنيا من رجاء ان يشرفنا في بيتنا الجديد بعد ان سكناه بمرور عام على وفاة والدي رحمهما الله ؛ فأبى وتحشرج وأدمعت عيناه ؛ ثم أومأت لي زوجته العظيمة الراحلة أم المعتز بأن كفى أشفق عليه ؛ وبعدها أسرّت لي : لن يأتِ أبداً ؛ فهو لا يريد ان يدخل بيت أحمد بعد رحيله لأنه لا يريد ان يصدّق ان أحمد مات … وقد صدقت في ذلك أم المعتز رحمها الله!
لله در هذه الصداقة التي خسرناها بالموت يا عمي ؛ لله در وفائك ما أجمله ؛ لكن فراقك صعب على النفس ؛ وعليّ الان ان اعترف لك باعتراف هام ؛ لم أكن أنزعج أبداً من سؤالك ( ما بدك تشد حيلك ؟ ) وربما كنت الوحيد الذي لا يزعجني به لأنك الأب بعد الوالد والسند بعد انكسار الظهر ؛ وقد أسررتُ لأمي مرةً (( حين يقضي الله أمراً كان مفعولاً سأذهب انا وانتِ وأخي لطلب يدها من أهلها في الزيارة الرسمية الاولى وسيكون ابو المعتز معنا ليطلب نيابة عن والدي )) فرحت أمي وقالت (( ونعم الطالب والله لن يفرح أحد مثل فرحه لك )) !
أتدري ما هو عزائي الوحيد بك اليوم أيها العم الغالي الشهم ؟ أننا شيعناك الى مثواك الاخير على بعد أمتارٍ فقط من قبر أبي رحمه الله … وكأن الدنيا تجمع الخيّرين معاً … وأكاد أتخيل فرحة أحمد بك هذه الليلة وأظنه هيء لك متكأً ؛ لتحدثه عن كل شيء وأعد لك قلاية بندورة تحبها ؛ فتستميحه العذر بأنك مشتاق لأم المعتز وستعود له غداً فيجيبك أحمد ( ملحقين يا رجل مهو الدنيا رايحة ) عليكم جميعاً رحمة الله …. فبالله عليك يا عمي ان التقيته وسألك عنا … قل له انني مشتاق ؛ وأخبره أنه (( خلّف زلام )) فوالله لن يصدّق هو أحداً غيرك هناك ؛ تماما كما كنت انت عنده في الدنيا الصديق الصدوق القريب الى القلب !
إلى رحمة الله أيها العم الغالي ؛ يا دافئ القلب وطاهر اللسان و طيّب المعشر ؛ ونسأل الله لك الرحمة والغفران ؛ ولأنجالك وكريماتك الأعزاء ولنا معهم الصبر والسلوان!