في قلب مزارعنا التي ننتظر منها الخير والعطاء، استوطن خطر صامت يتخفى خلف مياه راكدة، حيث تحولت البرك الزراعية في غفلة من الحيطة والحذر من شريان للحياة إلى مقابر مفتوحة تخطف فلذات الأكباد وتغتال زهور العمر في ربيعها. إن هذه المساحات المائية التي أُنشئت لتكون ركيزة للإنتاج باتت اليوم مسرحاً لمآسٍ تكررت فصولها حتى أدمت القلوب، فلم تعد مجرد منشآت ري، بل أصبحت "فخاخاً مميتة" تمتاز بجدران بلاستيكية منزلقة تجعل من النجاة ضرباً من المستحيل حتى على أمهر السباحين، ليجد الغريق نفسه محاصراً بين يأس الخروج وغدر المياه، بعيداً عن عين الرقيب أو يد المساعدة.
إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق كل صاحب مزرعة، فالأمانة تقتضي ألا يكون الرزق سبباً في فجيعة الآخرين، وما يظنه البعض تكلفة باهظة لتأمين هذه البرك ليس إلا ثمناً زهيداً مقابل حماية نفس بشرية هي عند الله أغلى من كل المحاصيل. إن التهاون في إحاطة هذه البرك بسياج حديدي متين ومرتفع، أو ترك بواباتها مشرعة أمام عفوية الأطفال وفضول العابرين، يمثل تقصيراً لا تبرره الأعذار، فالمؤمن كيس فطن، والحرص واجب على كل من يملك في أرضه خطراً كامناً، خاصة في تلك الساعات التي يغفل فيها الحراس أو يسدل الليل ستاره على معالم الأرض.
ولكي لا نكرر مرارة الفقد، وجب على كل مزارع أن يحول هذه البركة من مصيدة للموت إلى منشأة آمنة عبر الالتزام الصارم بتوفير وسائل النجاة، من حبال متدلية في كافّة الزوايا وأطواق نجاة جاهزة للاستخدام وسلالم معدنية تكسر حدة الانزلاق، مع ضرورة وضع لوحات تحذيرية صريحة تنذر بالخطر وتمنع الاقتراب. إن تكاتفنا اليوم في نشر الوعي والالتزام بشروط السلامة هو السبيل الوحيد لوقف هذا النزيف المتواصل من الأرواح، لتبقى مزارعنا رمزاً للخير والجمال، لا ساحات للعزاء والندم الذي لا ينفع بعد فوات الأوان، فحافظوا على "زهور العمر" قبل أن تبتلعها غفلة الإهمال.