دائرة
الآثار العامة في مئويتها الأولى واستحقاقات المرحلة
نيروز - بقلم د. اسماعيل ملحم
مع مضي
حوالي مائة عام على تأسيس دائرة الاثار العامة الأردنية في تاريخ ٢٧حزيران من سنة ١٩٢٣ م، نستذكر مسيرة طويلة من الإنجازات
في استكشاف آثار المملكة الأردنية الهاشمية و حفظها و تأهيلها، حيث مثلت هذه الدائرة
خلال تلك الحقبة ملتقى للباحثين و المستكشفين الآثاريين الأردنيين و الأجانب ، و كانت
بمثابة خلية نحل لا تهدأ من العمل، و كان للرعيل الأول من العاملين فيها الفضل الكبير
في الحفاظ على الاثار و أرساء أسس العمل الأثري، و انشاء المتاحف و التوثيق العلمي.
ورغم تلك
الجهود السابقة الكبيرة لدائرة الاثار العامة
و كوادرها و إداراتها، فإن هنالك عديد من التحديات الاستراتيجية ما زالت قائمة و متجددة و تحتاج إلى معالجات و حلول جذرية من الجهات المعنية
، و من الصعب القفز عنها او الانشغال بقضايا اقل أهمية منها، لاسيما و ان الآثار تمثل
إحدى اهم مرتكزات الهوية الوطنية و الثقافية و الحضارية للوطن، إضافة لأهميتها الاقتصادية
و السياحية .
و من أهم
تلك التحديات :
1- مشكلة محدودية الموارد المادية بما يحد من القدرة على تمويل استكشاف
غالبية المواقع الأثرية المنتشرة في أنحاء المملكة، و التي تقدر بحوالي مائة ألف موقع
أثري من كافة العصور التاريخية، حيث أن ما تم توثيقه و التعامل معه لغاية الآن يقترب من ١٧٠٠٠ موقع أثري فقط. و يضاف إلى ذلك عدم
القدرة على تحمل عبء صيانة هذا الكم الكبير من المواقع و تأمينها بالحراسة جميعاً و بالتالي وجود احتمالات بتضرر هذه الآثار
او فقدانها اما بفعل عوامل التلف الطبيعية من أمطار و رياح و غيرها، و أما بفعل العوامل
البشرية كالتعديات و التجريف العشوائي .
2- تعاظم كلفة شراء قطع الأراضي التي تضم مواقع اثرية مهمة بما يزيد عن
الموارد المالية المتاحة، و هذا يُحمّل الدائرة عبئأ مالياً كبيراً يتزايد سنوياً.
3- وجود مخاطر حقيقية تجاه المواقع الأثرية و الآثار من خلال أعمال الحفر
غير الشرعية و المتاجرة بالآثار و تزييف الآثار التي يقوم بها أشخاص خارجون عن القانون
، و هي ظاهرة سلبية آخذة بالتزايد، و هنالك الكثير من القضايا المنظورة لذا المحاكم
في هذه المواضيع، أضف إلى ما يمكن مشاهدته في عديد من المواقع الأثرية من أعمال نبش
و حفر بحثاً عن الكنوز المزعومة. مما يتطلب وجود ضوابط صارمة لتحقيق أمن و سلامة المواقع و المتاحف و القطع الأثرية و منع التزييف.
4- مشكلة التوسع العمراني في المدن و القرى في ضوء الانفجار السكاني ،
و وجود مخاطر حقيقية تجاه المواقع الأثرية بسبب الزحف العمراني و المشاريع الإنشائية
نظراً لمحدودية تنسيق الجهات المعنية مع دائرة الآثار العامة.
5- مشكلة نقص الموارد البشرية المؤهلة في تخصصات الآثار و الصيانة و الترميم
و المساحة و غيرها مما يُعرقل سير العمل، فوجود متخصصين في الصيانة و الترميم مثلا
ً يُعد أولوية قصوى للحفاظ و التأهيل، و كذلك ضرورة وجود متخصصين في كشف التزييف و
التأكد من أصالة القطع الأثرية، و الإفادة من خبرة الخبراء المحليين في هذه المواضيع.
6- الحاجة إلى تطوير القوانين الناظمة للعمل الأثري و على رأسها قانون
الآثار في ضوء التطورات التقنية و مستجدات العمل الأثري و محاربة التزييف و الاتجار
بالآثار و غيرها من القضايا، مع ضرورة ابقاء ادارة قطاع الآثار بيد الجهات الحكومية
المعنية، حفاظا على الاثار من أن تخضع لأي اجتهادات فردية او لاعتبارات استثمارية تغلب
على قيمتها الحضارية.
7- الإصلاح الإداري بما يشمل إيجاد هيكل تنظيمي عصري، و تصعيد الكفاءات من أبناء الدائرة لتولي زمام قيادتها بما
يحقق الاستقرار الاستراتيجي المؤسسي و يساعد
في إصلاح شامل لها، فقد اثبتت التجارب السابقة ان الإدارات المنبثقة من جسم الدائرة
كانت هي الأكثر قدرة على التطوير و البناء و كانت تعمل ضمن خطط استراتيجية مؤسسية،
بينما الإدارات التي جاءت من خارج جسم الدائرة كانت تعتمد غالباً اسلوب العمل المرحلي.
في ضوء
ما سبق فإن استحقاقات المرحلة القادمة في عمر هذه الدائرة العريقة يستدعي وجود حلول
واقعية حفاظاً على الموروث الضخم من آثارنا و اتباع سياسة شفافة تجاه المخاطر التي
تواجه الآثار، و التحول من الأكتفاء بوضع الخطط المرحلية الى معالجات هادفة يشارك فيها
المسؤولون الميدانيون و الخبراء ، و التشاركية مع كل الجهات الفاعلة بما فيهم اكاديميو
الجامعات المختصين بعلم الآثار و العلوم المساندة له وفق رؤى استراتيجية واضحة ، و
قبول النقد البناء لتطوير آليات التعاطي مع كل هذه التحديات، و تعزيز استثمار الموارد
الأثرية السياحية بما يعود بالنفع على الاقتصاد و المجتمعات المحلية .
أتأمل من الحكومة الرشيدة و من وزارة السياحة و الآثار
و من مجلس الأمة أخذ هذه التحديات بعين الاهتمام ضمن خططهم الاستراتيجية و برامج عملهم
التنموية، و الدفع باختيار القيادات المستقبلية لقطاع الآثار القادرة على التغيير الايجابي
ممن يملك خطط ريادية و حلول إبداعية لمشاكل
قطاع الآثار تكون قابلة للتنفيد بما يرتقي به و يسهم في تعزيز قدرات الوطن الاقتصادية
و يحافظ على ارثه الحضاري العظيم.