في كل زاوية من أرض الوطن، هناك قصة تضحية تستحق أن تُروى، لكن بعض القصص تبقى عالقة بين الصبر والألم، كقصة الرقيب المصاب العسكري نضال محمد سلمان الجبور، الجندي الذي حمل روحه على كفه دفاعاً عن الأردن، وخرج من ميدان الواجب مصاباً بعزّة لا تنكسر، وجسدٍ أنهكه الإهمال.
الجبور، الذي التحق بصفوف الأجهزة الأمنية في 14 تموز 2010 ضمن فصيل الرد السريع في مديرية شرطة العقبة، كان مثالاً للجندي الملتزم، الشجاع، والوفي لشرف المهنة.
وفي 23 كانون الأول 2016، أثناء مهمة رسمية لنقل مواد شديدة الخطورة (نترات) من ميناء العقبة إلى منطقة الجفر، وقع حادث سير أثناء عودته من المهمة، ليتحوّل الواجب إلى مأساة لا تزال فصولها مستمرة حتى اليوم.
نُقل الرقيب نضال محمد سلمان الجبور من لواء الصحراء والبادية إلى مستشفى معان الحكومي، ومن ثم إخلاء جوي إلى المدينة الطبية، حيث خضع لعدة عمليات جراحية بعد أن أصيب بـ كسور في العمود الفقري والأضلاع وكدمات في الرئة وإصابة في الحبل الشوكي، أدّت إلى شلل نصفي سفلي مكتمل.
ستة أشهر أمضاها على سرير الشفاء في المدينة الطبية بين الألم والأمل، خرج بعدها بتقرير طبي رسمي يثبت عجزه التام، ليكمل مسيرة حياته فوق كرسي متحرك، ويُحال إلى التقاعد في 5 أيلول 2020 برتبة رقيب بعد أكثر من عقدٍ من الخدمة الميدانية الصادقة.
لكن ما يزيد مرارة القصة، أن الجبور ما زال على نفس الحال منذ تسع سنوات دون أي علاج فعّال أو رعاية طبية مستمرة، وكأن الزمن توقف عند لحظة الإصابة، لا أحد يسأل ولا جهة تتابع.
إصابته التي كانت في ميدان الواجب الرسمي لم تكن نهاية خدمته فقط، بل بداية معركة جديدة يخوضها بصمت ضد الألم والنسيان.
يقول الرقيب نضال بصوت يختنق بالعزيمة:
"أصبت وأنا أؤدي واجبي في حماية الوطن، ومنذ ذلك اليوم وأنا على نفس الحال.
لم أطلب شيئاً سوى حقي في العلاج والرعاية. ما زلت مؤمناً أن الجندي لا يتقاعد من حب الوطن حتى لو توقف جسده عن الحركة."
قصة الجبور ليست مجرد حادث عابر، بل مرآة لواقع مرير يعيشه كثير من مصابي الواجب، ممن أفنوا أعمارهم في حماية الوطن ثم تُركوا يصارعون الألم وحدهم.
فأمثاله لا يحتاجون إلى كلمات تعزية، بل إلى وقفة حقيقية من المؤسسات المعنية بشؤون المصابين العسكريين، لتأمين علاجهم، وإعادة الاعتبار لتضحياتهم، لأن الوطن الذي لا يكرم أبناءه الجرحى يفقد جزءاً من كرامته.
فالرقيب نضال الجبور ليس مجرد اسم في تقرير طبي، بل رمز لتضحية جندي أردني ما زال يقف شامخاً رغم الجراح، ينتظر أن يسمع الوطن نداؤه...