مدير العلاقات المؤسسية والاتصال الاستراتيجي - MCC Mena Consulting
تمثل الرسالة الجوابية التي رفعها رئيس هيئة الأركان المشتركة، اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي، إلى مقام جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وثيقة استراتيجية بامتياز، تتجاوز في مضامينها حدود البروتوكول العسكري لتعلن عن تدشين مرحلة "النهضة الشاملة" في بنية القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي.
إن المتتبع للرؤية الملكية السامية، يدرك أن توجيه جلالته نحو إعداد "استراتيجية وخارطة طريق للتحول البنيوي" خلال السنوات الثلاث القادمة، ليس مجرد تحديث تقني، بل هو إعادة هندسة شاملة للمؤسسة العسكرية لتكون أكثر رشاقة، وقوة، ومحاكاة للمستقبل. ومن خلال تحليلنا لهذا المسار من منظور إداري وعسكري، يمكن استقراء المرتكزات التالية:
1. مأسسة التحول والمدى الزمني المحدد
إن تحديد سقف زمني بـ (ثلاث سنوات) للتحول البنيوي يعكس فكراً قيادياً يؤمن بالنتائج ومؤشرات الأداء الواضحة. هذا التحديد ينقل العمل العسكري إلى آفاق التخطيط الاستراتيجي الحديث، حيث تصبح الأهداف واضحة، والمراحل زمنية، والنتائج قابلة للقياس، مما يضمن كفاءة التنفيذ وسرعة الاستجابة للمتغيرات الإقليمية المتسارعة.
2. عصر "الذكاء الاصطناعي" والسيادة التكنولوجية
لم تعد قوة الجيوش تقاس بالعديد والعدة التقليدية فقط، بل بمدى امتلاكها لزمام التكنولوجيا. لقد جاء تأكيد رئيس هيئة الأركان على دمج "أنظمة الذكاء الاصطناعي" و"أساليب القتال الحديثة" كإعلان رسمي عن دخول الجيش العربي عصر السيادة الرقمية. هذا التوجه لا يعزز الجاهزية القتالية فحسب، بل يضع الأردن في مصاف الدول المتقدمة التي تعتمد العلم والابتكار أساساً لعقيدتها الدفاعية.
3. حوكمة الموارد والاستثمار المؤسسي
بصفتنا معنيين بالإدارة الاستراتيجية والاتصال، نتوقف باهتمام عند بند "إعادة هيكلة الصناديق والشركات الاستثمارية". هذه الخطوة تعكس نضجاً في إدارة الموارد الوطنية، حيث تهدف الحوكمة إلى رفع كفاءة هذه الصناديق وضمان إدارتها وفق أرفع المعايير المهنية والشفافية، مما يساهم في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق الاستدامة المالية للمؤسسة العسكرية.
4. مراكز البحث والتطوير: الحاضنة الوطنية للابتكار
تفعيل دور مراكز البحث والتطوير التابعة للقوات المسلحة يعني تحويل الجيش إلى بيت خبرة وطني ومختبر للابتكار التقني. هذا الدور يتقاطع مع الأهداف الوطنية العليا في بناء قاعدة صناعية وبحثية أردنية، قادرة على تقديم حلول مبتكرة للتحديات الأمنية والتنموية على حد سواء، وهو ما يعزز من مفهوم "الاعتماد على الذات".
إن الرسالة الجوابية لرئيس هيئة الأركان هي تجسيد حي لروح "النشامى" الذين يستمدون عزمهم من قائد ملهم ذي بصيرة ثاقبة. نحن أمام جيش يتطور بعقل عالمي، وينتمي بقلب نابض بالولاء للهاشميين. إن هذا التحول البنيوي هو الضمانة الأكيدة ليبقى الأردن عصياً على التحديات، ومنارة للأمن والاستقرار في إقليم مضطرب.
سيبقى الجيش العربي، كما عهدناه، سياج الوطن المنيع، يقوده ملك حكيم، ويسانده جند أوفياء، يسيرون نحو مستقبل مشرق بخطى واثقة وعلم حديث، وفاءً للوطن وقيادته الهاشمية المظفرة.