في هذه الأيام، يرقد دولة العم أحمد عبيدات على فراش المرض، فيلتف الدعاء حول اسمه كما التف الأردنيون حول مواقفه يوماً، ليس المرض هنا شأناً شخصياً، بل حالة وجدانية عاشها كثيرون، لأن الرجل لم يكن مجرد مسؤول، بل جزء من الذاكرة الوطنية والضمير العام.
أبناء الشمال من إربد إلى حرثا وبني كنانة، يعرفون أحمد عبيدات معرفة القريب لا البعيد، يعرفونه رجلًاً خرج من الأرض التي أنجبت الصلابة والصدق، وحمل همّ الوطن كما يحمل الفلاح موسمه، بلا ضجيج ولا ادعاءن لذلك جاءت محبّتهم له صادقة، عميقة، تشبه محبة الأرض لأبنائها.
وفي بيوت عشيرة العبيدات خاصة، لا يُذكر اسمه إلا مقروناً بالفخر، ولم يكن يوماً زعيماً بالعناوين، بل بالمواقف، فهو لم يساوم على الأردن، ولم يتاجر بانتمائه، فكان ابن العشيرة الذي كبر بالوطن، وابن الوطن الذي كبر بالعشيرة.
أحبّ أحمد عبيدات الأردن بوعي رجل الدولة، وبقلب الإنسان، أحبّه أمناً واستقراراً، تاريخاً وهوية، شعباً وقيادة، وحين تولّى المسؤولية، فعل ذلك بعقلٍ بارد وقلبٍ دافئ ، فبقي اسمه نظيفاً في زمن ازدحمت فيه الأسماء.
اليوم العم الباشا وهو يمرّ بوعكة صحية، تتجلى محبته في دعاء الأمهات، وفي كلمات الرجال، وفي صمت العارفين بقيمته، تتجلى في شعور عام بأن هذا الرجل لم يكن عابراً، بل علامة من علامات الدولة الأردنية.
نسأل الله العليّ القدير أن يمنّ على دولة أحمد عبيدات بالشفاء العاجل، وأن يلبسه ثوب العافية، فالأردن يحتاج رجاله الأوفياء، ويعتز بمن خدموه بصدق، سلامٌ لرجل أحبّ وطنه، فأحبّه الوطن، واحتفظ له بمكانة لا تهزّها الأيام ولا تغيّرها الظروف.
ولعلّ ما يميّز أحمد عبيدات أكثر من المناصب التي شغلها، هو تلك المسافة الأخلاقية التي حافظ عليها بين السلطة والذات، فلم يكن يوماً أسير كرسي، ولا باحثاً عن مجد شخصي، بل ظل يرى في الموقع العام أمانة ثقيلة تُحمل من أجل الناس لا فوقهم، لذلك بقي قريباً من البسطاء، مفهوماً عند العقلاء، محترماً حتى عند المختلفين معه، وهي مكانة لا تُمنح إلا لمن صدق مع نفسه ووطنه.
أما الشمال بأرضه وناسه ولهجته وذاكرته، فلم يكن بالنسبة له جغرافيا فحسب، بل روحاً وهوية، هناك تعلّم معنى الانتماء، ومن هناك حمل قيم الشهامة والوضوح وقول الحق، ولهذا يشعر أبناء الشمال اليوم أن مرضه يمسّهم، وأن الدعاء له واجب محبة قبل أن يكون واجب إنسانية، لأنه واحد منهم، حمل اسمهم إلى الدولة، وحمل الدولة إلى قلوبهم.
وفي هذه اللحظات نتمنى كما الجميع من قلب صادق أن يعود دولة العم الغالي ابا ثامر أحمد عبيدات إلى صحته، وأن يظل حضوره رمزاً للوطنية والإخلاص، كما ظل طوال حياته، فهو ليس مجرد رجل دولة، بل تجسيد حيّ للمبادئ التي يرتكز عليها الأردن.. الشرف، الصدق، والمحبة العميقة للشعب والأرض، وها هو الشمال بأرضه وناسِه يقف معه، دعاءً ووفاءً، مؤكدين أن القامة الوطنية تبقى خالدة في وجدان الأردنيين، مهما مرت الأيام.