حين يضطرب الإقليم وتعلو أصوات الاصطفاف، يصبح الهدوء ضرورة، ويغدو الحفاظ على الوطن أولوية لا تقبل المزاودة. ما يجري حولنا ليس تفصيلاً عابراً؛ المنطقة بأكملها تعيش حالة غليان سياسي وأمني، والعالم نفسه يعيد ترتيب أوراقه على وقع صراعات مفتوحة وحسابات متغيرة.
في مثل هذا المناخ، لا مصلحة لنا في الغرق بسؤال: من مع من؟ ومن ضد من؟ الأهم أن نسأل: أين يقف الأردن، وكيف نحميه من رياح لا ترحم؟ اختلافنا في الرأي طبيعي، بل صحي، لكن الخطر يبدأ حين يتحول الخلاف إلى انقسام يمسّ الثوابت أو يضعف الجبهة الداخلية.
ليس كل من يعارض سياسة دولة ما يكون بالضرورة في صف خصومها. المواقف ليست معادلة حسابية بسيطة، والوعي الوطني لا يُختزل بخانة على خريطة المحاور. بوصلتنا يجب أن تبقى هنا، في عمّان، لا في أي عاصمة أخرى.
الأردن مرّ بمنعطفات أصعب من هذه، وخرج منها لأنه حافظ على تماسكه الداخلي قبل أي شيء آخر. الثقة بالدولة ومؤسساتها ليست ترفاً، بل حاجة في زمن تتساقط فيه الدول حين تنقسم على نفسها.
قد نختلف في التقدير، وقد تتباين قراءاتنا للمشهد، لكن ما لا يجوز أن يختلف عليه اثنان هو أن سلامة الأردن فوق كل اعتبار، وأن النجاة من الفوضى هدف يستحق أن نضعه قبل أي سجال أو اصطفاف. فالأوطان لا تحتمل المغامرات، ولا تنجو إلا حين يتقدّمها عقلها قبل عاطفتها.