خمسة أعوام مضت منذ أن غاب أبي، ومع ذلك لا يبدو الغياب أمرًا يمكن أن تعتاده الروح.
فالزمن قد يمرّ، لكنه لا يملك أن يطفئ أثر إنسانٍ كان حضوره في حياتنا عميقًا بقدر ما كان عطاؤه واسعًا في حياة الآخرين.
في كل عام تمرّ هذه الذكرى، لا نستعيد فقط لحظة الفقد، بل نستعيد سيرة رجلٍ عاش حياته مؤمنًا بأن الإنسان يُقاس بما يقدّمه للناس، لا بما يأخذه منهم.
كان للناس طبيبًا عرفوه بإنسانيته قبل علمه، ونائبًا عرفوه بصدقه قبل موقعه. أما لي، فكان المعنى الأول للأمان، والصوت الذي يعلّمنا أن القيم ليست كلماتٍ تُقال، بل حياة تُعاش.
يزرع فينا بهدوءٍ ما كان يؤمن به: أن الرحمة قوة، وأن خدمة الناس شرف، وأن الكرامة لا تُساوَم.
كنت أرى في عينيه دائمًا ذلك الإيمان العميق بالإنسان. لم يكن ينظر إلى مريضٍ كحالة طبية فحسب، بل كإنسان يستحق العناية والطمأنينة. وربما لهذا بقي قريبًا من قلوب الكثيرين؛ لأنهم شعروا أن في حضوره شيئًا من الدفء الذي لا يُدرّس في الكتب.
وعندما حمل مسؤولية العمل العام، لم يتغيّر ذلك الإنسان الذي عرفناه في البيت.
بقي كما هو: صادقًا في موقفه، واضحًا في مبادئه، مؤمنًا بأن الموقع العام ليس امتيازًا بل أمانة. و أن صوت الناس مسؤولية في عنقه، وأن خدمة الوطن ليست شعارًا بل التزامًا يوميًا.
اليوم، بعد خمس سنوات على رحيله، أدرك أكثر من أي وقت مضى أن الأب لا يرحل حقًا.
يبقى في تفاصيل الحياة الصغيرة: في القيم التي تركها فينا، في الكلمات التي ما زالت ترشدنا، وفي الطريق الذي رسمه لنا دون أن يفرضه.
يبقى في تلك اللحظات التي نشعر فيها أننا ما زلنا نتعلم منه، حتى وهو غائب.
يا أبي، لم يكن فقدك حدثًا عابرًا في حياتنا، بل تحوّلًا عميقًا علّمنا معنى الصبر والامتنان معًا.
الصبر لأن الغياب موجع،
والامتنان لأننا كنا أبناء رجلٍ ترك في الحياة أثرًا طيبًا وسيرة يعتز بها كل من عرفه.
في الذكرى الخامسة لرحيلك، لا نملك إلا أن ندعو لك كما كنت تدعو للناس دائمًا.
نسأل الله أن يرحم روحك الطاهرة، وأن يجعل ما قدمته من خيرٍ ورحمةٍ وعدلٍ في ميزان حسناتك.
أما نحن، فنعاهدك أن نبقى أوفياء لما علمتنا إياه: أن الإنسان يُخلّد بطيب أثره، وأن أجمل ما يتركه الأب لأبنائه هو القيم التي يعيشون بها بعده.
ابنتك المحبة دوما
نانسي.