خلف تلك الملامح الوقورة والصمت الذي كان يسكنه الحكماء ، تبلورت شخصية وطنية صلبة صاغت على مدار عقود ميزان الاستقامة في الدولة الأردنية . لقد كان أحمد عبيدات الرجل الذي عبر بهدوء وهيبة من أمواج العمل الأمني المتلاطمة إلى ضفاف العمل السياسي والمدني ، دون أن ينكسر بريق نزاهته أو تلين حدة مبادئه . سُجل في وجدان الوطن كمرجعية وطنية وضمير حي : يستحضره الأردنيون كلما تطلعوا إلى نموذج المسؤول الزاهد الذي قدّم قداسة الوطن على بريق المنصب الزائل .
الجذور : من شموخ حرثا إلى فضاءات القانون :
في قرية حرثا التي تتنفس عراقة بمحافظة إربد ، ولد أحمد عبد المجيد عبيدات عام 1933 م ، لينشأ في بيئة ريفية نحتت في وجدانه قيم الأنفة والاعتماد على الذات . بدأ مشواره بالعصامية والاجتهاد في مدارس الشمال ، وصولاً إلى رحاب جامعة بغداد العريقة ، حيث حاز شهادة الحقوق عام 1957 م . لم يكن هذا الأساس القانوني مجرد شهادة أكاديمية ، بل صار البوصلة التي وجهت كافة قراراته اللاحقة ، إيماناً منه بأن سيادة القانون هي الحصن الحصين لاستقرار الأوطان .
رحلة الصعود : مأسسة الأمن وبناء الدولة :
لم يكن أحمد عبيدات ممن يرتقون المناصب صدفة ، بل تدرج في مفاصل الدولة بتسلسل عكس خبرة ميدانية وتراكمية نادرة :
1 ) مرحلة التأسيس والرقابة : بدأ مسيرته معلماً يغرس القيم في صدور الأجيال ، ثم انتقل مفتشاً جمركياً بوزارة المالية ، وهي المحطة التي أتاحت له فهم أدق تفاصيل الإدارة والرقابة المالية للدولة .
2 ) هندسة الأمن القومي : التحق بالأجهزة الأمنية ، وصعد السلم باقتدار حتى تبوأ قيادة المخابرات العامة ( 1974 _ 1982 م ) برتبة لواء . وفي عهده ، شهد الجهاز نقلة نوعية نحو المأسسة والاحترافية ، حيث ركز على البعد الاستخباري التحليلي ، وبرز كقائد أمني آمن بأن أمن الدولة الحقيقي يبدأ من صون كرامة مواطنيها وعدالة مجتمعاتها .
أمانة المسؤولية : الحكومة " البيضاء " والإصلاح الإداري :
انتقل عبيدات إلى الفضاء السياسي العلني وزيراً للداخلية عام 1982 م ، مبرهناً على أن رجل الأمن حين يتسلح بالفكر يصبح رجل دولة بامتياز . وفي العاشر من كانون الثاني عام 1984 م ، كلفه جلالة الملك الحسين بن طلال ، طيّب الله ثراه ، بتشكيل الحكومة .
اقتحم الدوار الرابع متسلحاً برؤية صلبة لإصلاح الترهل الإداري ومحاربة المحسوبية ، فكانت حكومته علامة فارقة في تاريخ الأردن الحديث ، إذ أرست معايير طهارة اليد التي ظلت تُذكر كإرث وطني خالد . تميزت فترته بالجدية في تطبيق القانون على الجميع دون استثناء ، مما أكسبه شعبية جارفة واحتراماً منقطع النظير .
الملاذ العائلي : أصالة الريف في قلب المدينة :
خلف الألقاب الرفيعة والمناصب السيادية ، شيد أحمد عبيدات حياته الخاصة على قيم القناعة والترابط . ارتبط بسيدة فاضلة ( أم ثامر ) كانت له السند الأقوى في دروب العمل الوعرة ، وهيأت له بيئة هادئة لمواجهة أعاصير السياسة .
أثمرت هذه الرحلة عن أبناء ( ثامر ، باسم ، مازن ) وكريمات فضليات ، غرس فيهم قيم العلم والاعتماد على النفس ، بعيداً عن ظلال النفوذ . وبقي منزله على الدوام مزاراً للمحبين ، متمسكاً بروابط صلة الرحم وجذوره الريفية التي لم تبهت بريقاً أمام أضواء العاصمة .
العطاء المستمر : حكيم الدولة والمعارض الرصين
بعد ترجله عن رئاسة الوزراء ، لم يتوقف نبض عطائه ، بل استمر في ميادين الفكر والحقوق :
مهندس العقد الاجتماعي : قاد اللجنة الملكية لصياغة الميثاق الوطني عام 1990 م ، واضعاً حجر الأساس للتحول الديمقراطي والتعددية السياسية في الأردن .
منارة حقوق الإنسان : كان أول من قاد مجلس أمناء المركز الوطني لحقوق الإنسان ، حيث أسس لثقافة الدفاع عن الحريات العامة بجرأة وموضوعية .
المعارضة الوطنية : قاد الجبهة الوطنية للإصلاح ، مقدماً درساً في المعارضة الرصينة التي تنقد من أجل البناء ، وظل صوته مدوياً في الدفاع عن الثوابت الوطنية والقومية .
مسيرة الثبات والسمعة النقية :
مثلت حياة أحمد عبيدات المدرسة التي زاوجت بين الهيبة الشعبية والمكانة الرسمية . هو المسؤول الذي دخل أرفع الردهات وخرج منها بذات الثوب الأبيض والسمعة التي لا تشوبها شائبة .
في ذمة الخلود :
سيظل أحمد عبيدات ، الذي ترجل عن صهوة الحياة في الثاني من شباط لعام 2026 م ، علامةً فارقة في ذاكرة الوطن الوفية ، فهو الرمز الذي جسّد بعمره ومواقفه عقيدةً مفادها أن السلطة مغرمٌ لا مغنم ، وأمانةٌ ثقيلة لا تُؤدى إلا بحقها.
لقد أثبت بمسيرته أن عشق الأردن ليس شعارات تُردد ، بل هو إخلاصٌ يترفع عن الصغائر ، ونزاهةٌ لا تشوبها شائبة ، وكلمة حقٍ صدع بها في وجه التحديات ، مؤمناً بأن ثمن المبادئ -مهما غلا- يبقى زهيداً أمام رفعة الوطن وكرامته.