فجّر وزير الخارجية الإيراني الأسبق، محمد جواد ظريف، عاصفة من الجدل في الأوساط الرسمية الإيرانية، عقب طرحه "خارطة طريق" غير مسبوقة لإنهاء العداء التاريخي مع واشنطن، داعياً طهران إلى استغلال ما وصفه بـ"تفوقها الحالي" لإعلان النصر والعبور نحو اتفاق سلام شامل بدلاً من الاكتفاء بتهدئة هشّة.
من القتال إلى "اتفاق القرن" الإيراني
تبنى ظريف، في مقالٍ تحليلي مفصل بمجلة "فورين أفيرز"، رؤية براغماتية تقوم على مقايضة كبرى؛ حيث اقترح التزاماً إيرانياً قاطعاً بعدم السعي لامتلاك أسلحة نووية، وضمان حرية الملاحة والمرور الآمن للسفن في مضيق هرمز بالتعاون مع سلطنة عُمان. وفي مقابل هذه التنازلات الاستراتيجية، طالب واشنطن بإنهاء كافة قرارات مجلس الأمن ضد إيران، وإلغاء العقوبات الأحادية، والسماح ببيع النفط ومشتقاته دون عوائق، وصولاً إلى توقيع "اتفاقية عدم اعتداء دائمة" واستئناف العلاقات الدبلوماسية والقنصلية.
مقامرة السلام وتفكيك الأزمات
انتقد مهندس الاتفاق النووي السابق الرهان على "التهدئة المؤقتة"، واصفاً إياها بالخيار الهش الذي يجمد الصراع ولا يعالجه. وطرح ظريف بدائل تعاونية تشمل إنشاء "اتحاد لتخصيب اليورانيوم" بمشاركة الصين وروسيا والولايات المتحدة وجيران إيران، مع البدء في صياغة شبكة أمن إقليمية تضمن عدم الاعتداء في غرب آسيا. كما ذهب أبعد من ذلك باقتراح مشاركة شركات نفط أمريكية في تسهيل صادرات الطاقة الإيرانية، ومساهمة واشنطن في إعادة إعمار الأضرار الناجمة عن النزاع، معتبراً أن كلفة السلام تظل دائماً أقل من فاتورة الحرب المفتوحة.
غضب رسمي واختلاف الرؤى
واجهت هذه الطروحات انتقادات حادة عبر التلفزيون الرسمي الإيراني، في وقت تهيمن فيه نبرة التصعيد على الخطاب الحكومي، خاصة مع إعلان الإدارة الأمريكية تمديد عملية "الغضب الملحمي" والتلويح بضربات شديدة القسوة. ورغم رفض ظريف للخطاب الأمريكي المتشدد وتأكيده على دعم القوات المسلحة، إلا أنه حذّر من أن امتلاك التكنولوجيا النووية لم يشكل ردعاً كافياً بل تحول إلى "ذريعة للهجمات"، مشدداً على أن استمرار العمليات العسكرية لن يؤدي إلا إلى استنزاف البنية التحتية وتفاقم الخسائر البشرية.
خلص الوزير الأسبق إلى ضرورة تحويل ما يعتبره "اليد العليا" التي تمتلكها إيران حالياً إلى مكاسب سياسية دائمة، محذراً من أن وقف إطلاق النار بمفرده لا يكفي لإنهاء 47 عاماً من العداء، بل يتعين على الطرفين بناء تعاون تجاري وتكنولوجي متبادل المنفعة، وإلغاء التصنيفات المرتبطة بالإرهاب، لضمان منع اندلاع نزاعات مستقبلية وتجنب دمار لا يمكن تعويضه.