ايناس فلاح السكارنة - في تفاصيل لا تُرى، وبين سطور لا تُكتب كثيرًا، يعيش طلاب الدراسات العليا حكاية مختلفة، حكاية تبدأ بحلم كبير، لكنها تمضي في طريق مليء بالاختبارات الصعبة.
لم تكن الغربة بالنسبة لهم رفاهية ولا خيارًا سهلاً، بل ضرورة فرضتها تخصصات لم يجدوا لها مكانًا في وطنهم. حملوا طموحاتهم وخرجوا، وهم يظنون أن الطريق واضح: دراسة، تعب، ثم عودة تليق بما بذلوه.
لكن الواقع كان أثقل مما تخيلوا.
في كل يوم تتراكم الأعباء: إيجارات مرتفعة، معيشة مضاعفة، أقساط لا ترحم، تفاصيل تستنزفهم بصمت. ومع مرور الوقت لم يعد التحدي علميًا فقط، بل أصبح معركة يومية للبقاء.
الطالبات المتزوجات يواجهن القصة الأشد قسوة. بين دراسة تتطلب تركيزًا وحياة أسرية تحتاج حضورًا، يقفن في المنتصف. بعض الأزواج اضطروا لأخذ إجازات بلا راتب ليبقوا سندًا، فيما اضطرت أخريات لترك أطفالهن في الأردن، حاملين صورهم بدلًا من دفء وجودهم.
قرار لا يُشبه أي قرار، أن تترك جزءًا من قلبك خلفك، وتمضي.
ومع ظروف الحرب وارتفاع أسعار تذاكر السفر، تضاعف العبء. لم تعد الغربة مجرد ابتعاد عن الوطن، بل تحوّلت إلى استنزاف مالي ونفسي ينهكهم دون أن يشتكوا كثيرًا.
ورغم كل هذه التضحيات، ما زالت هناك فجوة في الفهم. يُقال لهم إن تخصصاتهم العلمية تتطلب حضورًا فعليًا داخل الحرم الجامعي، لكنهم في الحقيقة طلاب دكتوراه. لا مختبرات يومية، ولا دوام تقليدي. دراستهم قائمة على البحث، ومحاضراتهم تُعقد عن بُعد، بمرونة يفرضها واقعهم كطلبة موزعين في مدن مختلفة، لكل منهم عمله ومسؤولياته.
يمضون أيامهم خلف الشاشات، يكتبون أبحاثهم، يتابعون محاضراتهم، وينتظرون نهاية العام ليقدّموا امتحانًا واحدًا يختصر كل شيء. ومع ذلك، يدفعون كلفة الغربة كاملة. كأنهم يعيشون تناقضًا مريرًا: دراسة تُدار أونلاين، وحياة تُدفع أثمانها حضورًا كاملًا.
يحاولون الصبر، لا لأن الطريق سهل، بل لأن الحلم يستحق. يؤمنون أن هذه السنوات، رغم قسوتها، ستصنع فرقًا وتفتح لهم أبوابًا في وطنهم الذي لم يغادر قلوبهم يومًا.
قصتهم ليست مجرد معاناة، بل شهادة حيّة على الإصرار. هم لا يطلبون المستحيل، فقط فهم أعمق لواقعهم وإنصاف يخفف عنهم هذا الحمل الثقيل.
طلاب الدراسات العليا لا يعيشون الغربة فقط، بل يخوضونها كل يوم.