يُعتبر البحر الميت واحداً من أكثر الظواهر الطبيعية فرادة وإثارة للدهشة على كوكب الأرض ، فهو ليس مجرد مسطح مائي ذي ملوحة فائقة ، بل هو سجل تاريخي حي ، ومختبر جيولوجي فريد ، ومنجم اقتصادي لا ينضب . يحظى هذا البحر بمكانة استثنائية في الوجدان الإنساني وفي الموروث الديني والحضاري ، فضلاً عن كونه ركيزة أساسية للأمن الوطني والاقتصادي للمملكة الأردنية الهاشمية .
أولاً : الموقع الجغرافي والواقع الطبيعي :
أ ) يقع البحر الميت في قلب الأخدود الإفريقي العظيم ، ويمثل حداً طبيعياً فاصلاً بين المملكة الأردنية الهاشمية وفلسطين .
ب ) يعد أخفض بقعة على سطح الأرض ، حيث ينخفض بمقدار يصل إلى حوالي 430 متراً تحت مستوى سطح البحر المتوسط .
ج ) تبلغ مساحته الحالية قرابة 600 إلى 650 كيلومتراً مربعاً ، ويمتد طوله بنحو 70 كيلومتراً ، وعرضه في أقصى اتساع له يصل إلى 17 كيلومتراً .
د ) يعاني البحر الميت من خطر الجفاف والانحسار المستمر بمعدل متر واحد سنوياً تقريباً ، مما أدى لتقسيمه حديثاً إلى حوضين :
1 ) حوض شمالي عميق .
2 ) حوض جنوبي ضحل مستغل صناعياً .
ثانياً : مسميات البحر الميت ودلالاتها التاريخية :
عُرف هذا المسطح المائي الفريد عبر العصور التاريخية بمسميات متعددة ، وهي :
أ ) عمق السديم أو بحر الملح : ذكر في العهد القديم بهذه الأسماء لشدة ملوحته .
ب ) بحر العربة أو البحر الشرقي : وهي مسميات جغرافية قديمة نسبة لإقليم العربة .
ج ) بحيرة لوط : وهي التسمية الشائعة في الموروث الإسلامي لربط المنطقة بقصة نبي الله لوط عليه السلام وقومه .
د ) بحيرة زغر : نسبة إلى مدينة زغر التي كانت مدينة تجارية مزدهرة على شواطئه ( منطقة غور الصافي حالياً ) .
هـ ) بحر الموت أو البحر الميت : أطلقه اليونان لعدم قدرة الكائنات البحرية أو الأسماك على العيش في مياهه .
و ) بحيرة الأسفلت : سماه الإغريق والرومان بهذا الاسم لظاهرة طفو كتل الإسفلت الطبيعي على سطحه قديماً .
ز ) البحيرة المنتنة : سمي البحر الميت بها الاسم بسبب الرائحة الكريهة الشديدة التي كانت تنبعث منه، نتيجة تفاعلات المواد المعدنية والقارية ( الأسفلت ) في قاعهة، ونظراً لانعدام الحياة فيه تماماً ( سمك أو نبات ) مما أدى إلى تعفن المواد العضوية النادرة التي تلقيها الرياح على شواطئه.
ثالثاً : التاريخ الجيولوجي ومراحل التشكّل :
يرجع تاريخ تشكّله إلى سلسلة من الأحداث التكتونية والمناخية المعقدة :
أ ) حركة الصفائح ( عصر الميوسين ) : انفصال الصفيحة العربية عن الإفريقية ونشوء صدع البحر الميت التحويلي ، مما أحدث هبوطاً عميقاً في القشرة الأرضية .
ب ) بحيرة سدوم ( عصر البليوسين ) : تشكلت قبل 4 إلى 5 ملايين سنة عندما تدفقت مياه البحر المتوسط عبر مرج ابن عامر لتملأ الأخدود ، ثم انقطع اتصالها لاحقاً .
ج ) بحيرة اللسان ( عصر البلايستوسين ) : السلف المباشر للبحر الميت ، امتدت قبل 70000 إلى 12000 سنة من شمال طبريا حتى جنوب البحر الميت بمسافة 220 كم .
د ) انكماش الهولوسين : قبل 10000 إلى 12000 سنة بدأ المناخ يميل للجفاف ، فتراجعت بحيرة اللسان لتترك في الجزء الأكثر انخفاضاً ما نعرفه اليوم بالبحر الميت .
رابعاً : الخصائص الجغرافية والبيئية الفريدة :
يُصنف البحر الميت كبحيرة مغلقة لسببين رئيسيين :
أ ) انعدام المخارج المائية : يستقبل المياه ولكنه لا يمتلك أي مخرج طبيعي يصرفها إلى بحار أخرى .
ب ) التخلص من المياه بالتبخر فقط : يفقد مياهه عبر التبخر الناتج عن الحرارة المرتفعة ، مما يفسر ملوحته التي تتجاوز 34 % .
كما تتميز البيئة المحيطة بـ :
أ ) تباين طبوغرافي مهيب بجبال شاهقة تنحدر عمودياً نحو الشاطئ بفارق ارتفاع يصل إلى 1300 متر .
ب ) وقوع المنطقة في ظل المطر ، مما يجعل مناخها صحراوياً بامتياز .
ج ) وجود واحات خضراء في أسافل الأودية ومناطق مصبات الأنهار صالحة للزراعة المبكرة .
خامساً : المصادر المائية والمغذيّات ( الجانب الأردني ) :
يتغذى البحر الميت من شبكة مائية تأتيه من المرتفعات الشرقية والغربية ، وأبرزها :
أ ) نهر الأردن : المصدر والمغذي التاريخي والرئيس الذي يصب في أقصى شماله .
ب ) وادي الموجب ( أرنون ) : وادٍ سحيق دائم الجريان يشق طريقه بين جبال الكرك ومأدبا ويضم محمية طبيعية .
ج ) وادي زرقاء ماعين : يشتهر بينابيعه المعدنية الساخنة التي ترفد البحر بمياه علاجية .
د ) وادي الحسا : يصب في منطقة الغور الجنوبي ويفصل تاريخياً بين الكرك والطفيلة .
هـ ) وادي الهيدان : أحد روافد وادي الموجب الرئيسية ويمتاز بمياهه العذبة وسيقها الملون .
و ) الأودية والسفوح الفرعية : التي تشكل سيولاً جارفة في الشتاء تفرغ حمولتها في الحوض .
سادساً : التقسيم الإداري والمحافظات المطلة :
تشرف عليه إدارياً ثلاث محافظات أردنية :
أ ) محافظة البلقاء : تشرف على الجزء الشمالي حيث المنتجعات السياحية وموقع المغطس .
ب ) محافظة مأدبا : تطل على الجزء الأوسط وتتميز بالأودية السحيقة مثل زرقاء ماعين والهيدان .
ج ) محافظة الكرك : تشرف على الجزء الجنوبي حيث تتركز النشاطات الصناعية والزراعية الغورية .
سابعاً : البحر الميت في عيون الجغرافيين والرحالة :
رصد العلماء هذه الظاهرة بدقة عبر العصور :
أ ) المقدسي البشاري : وصفها في "أحسن التقاسيم" بالبحيرة المنتنة التي لا يغرق فيها أحد .
ب ) المسعودي : أشار في "مروج الذهب" لثقل مياهها وكثافتها وتولد البيتومين فيها .
ج ) الإدريسي : وصفها بالبحيرة المنتنة وتحدث عن جودة ملحها في حفظ الأطعمة .
د ) المؤرخون الكلاسيكيون : ( سترابو ، بليني الأكبر ، يوسيفوس ) ذكروا طفو الأجسام وصناعة الأدوية والتحنيط .
هـ ) وليم لينش ( 1848 م ) : قاد أول بعثة علمية حديثة وحلل مياهه ( مغنيسيوم ، بوتاسيوم ، بروم ) .
ثامناً : المنظومة الاقتصادية والصناعية :
يعتبر منجماً طبيعياً عملاقاً ، وتبرز أهميته عبر :
أ ) شركة البوتاس العربية ( 1956 م ) : الركيزة الصناعية الأضخم لاستخراج البوتاس المستخدم عالمياً .
ب ) شركة برومين الأردن : تنتج البرومين المستخدم في المواد المثبطة للاشتعال والمستحضرات الدوائية .
ج ) تكرير الملح : إنتاج آلاف الأطنان سنوياً من ملح الطعام عالي النقاء والملح الصناعي .
د ) مستحضرات التجميل : استخراج الطين الأسود والمعادن لتصنيع منتجات تصدر تحت علامات أردنية شهيرة .
هـ ) سياحة الاستشفاء : مركز عالمي للعلاج من الأمراض الجلدية والمفاصل بفضل المعادن والهواء الغني بالأكسجين .
تاسعاً : البعد التاريخي والإسلامي للمنطقة :
أ ) العهد القديم والآثار : قصة النبي لوط ، ومغار لوط ، وموقع المغطس ( حج مسيحي مقدس ) .
ب ) مخطوطات البحر الميت ( 1947 م ) : اكتشاف لفائف قمران التي تضم أقدم نسخ العهد القديم .
ج ) الفتوحات الإسلامية : مسرح لتحركات جيوش شرحبيل بن حسنة وأبي عبيدة عامر بن الجراح .
د ) العصر الأموي : بناء القصور ( المشتى وعمرة ) واستخدام المنطقة كطريق لربط دمشق بالحجاز .
هـ ) العصر العباسي والفاطمي : ازدهار مدينة زغر كمركز تجاري لزراعة النخيل وإنتاج السكر والنيلي .
و ) العصر الأيوبي والمملوكي : تأمين طرق الكرك وازدهار صناعة السكر عبر طواحين السكر المنتشرة .
عاشراً : مكانة البحر الميت ككنز وطني للأردن :
تتلخص خصوصيته للمملكة في كونه :
أ ) الركيزة الاقتصادية الكبرى : رافد رئيس للميزان التجاري وخزينة الدولة عبر صناعات البوتاس والبرومين .
ب ) واجهة السياحة والهوية : العلامة الأكثر جذباً للسياح مع وجود فنادق ومراكز مؤتمرات دولية .
ج ) التنمية وتشغيل العمالة : توفير آلاف فرص العمل لأبناء الأردن ، خاصة في محافظات الجنوب والأغوار .
د ) الأمن المائي والسياسي : خط حدودي سيادي ومحور لمشاريع استراتيجية مستقبلية لتحلية المياه .
رسالة للمستقبل :
إن البحر الميت ليس مجرد أثر جغرافي ، بل هو ثروة جغرافية وتاريخية واقتصادية متكاملة ، والواجب العلمي والوطني يحتم علينا تكثيف الجهود الدولية لإنقاذ هذا الإرث من خطر الجفاف ، ليبقى شاهداً على عظمة الطبيعة في قلب الأردن .
قائمة المصادر والمراجع المقترحة :
1 ) المقدسي البشاري ، شمس الدين : كتاب "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" .
2 ) المسعودي ، أبو الحسن علي بن الحسين : كتاب "مروج الذهب ومعادن الجوهر" .
3 ) الإدريسي ، الشريف : كتاب "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" .
4 ) لينش ، وليم لين : "التقرير الرسمي للبعثة الأمريكية لاستكشاف نهر الأردن والبحر الميت" ( 1848 ) .
5 ) وزارة المياه والري الأردنية : تقارير ودراسات حول انحسار مياه البحر الميت .
6 ) أرشيف دائرة الآثار العامة الأردنية : دراسات حول لفائف قمران وطواحين السكر التاريخية .
7 ) شركة البوتاس العربية : التقارير الاقتصادية والبيئية السنوية .