جسّدت زيارة غبطة البطريرك اللاتيني في القدس، بييرباتيستا بيتسابالا، إلى الأردن أبعاداً إنسانية ووطنية بالغة الأهمية. فقد قدّمت هذه الزيارة دليلاً حياً على مكانة المملكة بوصفها نموذجاً استثنائياً في التآخي والتعايش، ومرتكزاً لصلابة النسيج الاجتماعي الذي يجمع المسلمين والمسيحيين على حد سواء. وخلال جولة غبطته في محافظة إربد، تجلّى بوضوح أن قيم المحبة والعيش المشترك في الأردن ليست مجرد أدبيات وشعارات للمناسبات، بل هي سلوك يومي وثقافة أصيلة متجذرة في وجدان المجتمع.
تنقّل البطريرك بين محطات احتفائية عكست طابع التلاحم الأردني؛ بدءاً من التكريم الذي حظي به من عشيرة البطاينة، وصولاً إلى زيارته لجامعة اليرموك وحواره مع طلبتها وكوادرها. في كل هذه الفعاليات، عبّر الأردنيون بعفوية وكرم ومحبة صادقة عن تقديرهم للضيف الكبير، في مشهد تجاوز البروتوكولات الرسمية ليعبر عن نبل الأخلاق الأردنية القائمة على الاحترام المتبادل، والإيمان العميق بالشراكة الوطنية والمصير الواحد.
ولم تغب القدس ومقدساتها عن أجواء هذه اللقاءات؛ إذ جددت كلمات الترحيب التأكيد على أن المدينة المقدسة بمقدساتها الإسلامية والمسيحية تعيش في ضمير الأردنيين. فالارتباط بالقدس ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل هو رباط تاريخي وروحي وثيق يمتد في عمق الذاكرة الوطنية، ويسري في عروق الأردنيين الذين قدم آباؤهم وأجدادهم تضحيات جليلة دفاعاً عن ثراها وعن مقدساتها في وجه الاحتلال والانتهاكات المستمرة.
وفي هذا الإطار، يأتي التمسك الشعبي والرسمي بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس باعتباره التزاماً تاريخياً، ودينياً، ووطنياً لا يقبل المساومة. فالوصاية الهاشمية تمثل صمام الأمان الحقيقي لحفظ الهوية العربية للمدينة وحماية معالمها، في ظل قيادة هاشمية لم تتوانَ يوماً عن الدفاع عن القدس في شتى المحافل السياسية والدبلوماسية والإنسانية.
إن الرسالة الجوهرية لهذه الزيارة تتمثل في قدرة الأردن على تقديم أنموذج حضاري متقدم في الوحدة الوطنية والتوادّ الإنساني؛ حيث يقف المسلمون والمسيحيون معاً في خندق واحد لحماية الوطن ومقدساته. وهي رسالة تثبت أن سر قوة الأردن يكمن في قدرته على صهر التنوع والاتحاد فيه، ليكون مصدراً للاستقرار والمنعة.
وفي وقت تعاني فيه مجتمعات كثيرة من شبح الانقسامات، يصر الأردنيون على تقديم صورتهم الحقيقية المشرقة القائمة على الاعتدال والمحبة، مؤكدين أن حماية الإنسان والمقدسات هي رسالة تضامنية مشتركة، وأن التعايش في هذا الوطن هو هوية ثابتة وتاريخ ممتد، وليس مجرد خيار سياسي مؤقت.