في زوايا مجتمعنا يعيش أطفال وشباب حُرموا من دفء الأسرة وسند الأهل، ليس بإرادتهم، بل لظروف قاهرة جعلتهم يواجهون الحياة دون أب أو أم أو عائلة تحتضنهم. هؤلاء هم فاقدو السند الأسري الذين يحتاجون إلى أكثر من مجرد الرعاية الأساسية؛ فهم بحاجة إلى الحب والأمان والاحتواء والشعور بأنهم جزء أصيل من المجتمع.
ويواجه الكثير منهم تحديات نفسية واجتماعية وتعليمية واقتصادية قد تؤثر في مسيرة حياتهم، فهم يحتاجون إلى بيئة داعمة تساعدهم على بناء الثقة بالنفس، وتنمية قدراتهم، وتمكينهم من الاندماج الإيجابي في المجتمع. كما أن العديد منهم يمتلكون طاقات ومواهب كبيرة، إلا أنهم بحاجة إلى من يمد لهم يد العون ويوفر لهم الفرص الحقيقية لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم.
إن دعم فاقدي السند الأسري لا يقتصر على المؤسسات المتخصصة وحدها، بل هو مسؤولية وطنية ومجتمعية مشتركة تتطلب تضافر جهود الجميع. فالمجتمع الذي يؤمن بقيم التكافل والرحمة لا يترك أبناءه يواجهون مصيرهم وحدهم، بل يعمل على احتضانهم وتمكينهم وتوفير مقومات الحياة الكريمة لهم.
ومن هنا، فإننا ندعو الجهات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني والقطاعين العام والخاص إلى تعزيز جهودها في دعم فاقدي السند الأسري من خلال توفير برامج التأهيل والتدريب المهني، وخلق فرص التشغيل المناسبة لهم، وتقديم المنح والمساعدات التعليمية التي تمكنهم من استكمال تعليمهم وبناء مستقبلهم. كما نؤكد أهمية تطوير السياسات والبرامج التي تضمن دمجهم في المجتمع وتمكينهم اقتصادياً واجتماعياً، بما يعزز ثقتهم بأنفسهم ويمنحهم الفرصة الكاملة ليكونوا أفراداً فاعلين ومنتجين في وطنهم.
كما أن للإعلام والمؤسسات التربوية والدينية دوراً محورياً في نشر الوعي المجتمعي تجاه هذه الفئة، وتعزيز ثقافة القبول والاحتواء واحترام كرامتهم الإنسانية، بعيداً عن أي صورة من صور الوصم أو التمييز.
إن فاقدي السند الأسري ليسوا أرقاماً أو حالات اجتماعية، بل هم أبناء وبنات هذا الوطن، يستحقون الفرصة ذاتها التي يستحقها غيرهم في التعليم والعمل والحياة الكريمة. وواجبنا جميعاً أن نكون لهم سنداً وعوناً، وأن نفتح أمامهم أبواب الأمل والنجاح، لأن قوة المجتمعات تُقاس بقدرتها على حماية الفئات الأكثر حاجة للدعم والرعاية.
فلنكن جميعاً سنداً لمن فقد السند، ولنحوّل التعاطف إلى عمل، والاهتمام إلى مبادرات، والوعود إلى فرص حقيقية تصنع مستقبلاً أكثر إشراقاً لهذه الفئة العزيزة من أبناء الوطن
بقلم: رندا سليمان العايش
مستشارة تربوية ومدربه تنمية بشرية وباحثة ومدافعة عن قضايا الطفل والأسرة