في الفقه القانوني والسياسي الحديث تُقاس حضارية الدول ومكانتها بمدى التزامها بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان وقوانين اللجوء لكن في الدولة الأردنية تسبق الممارسةُ الإنسانية النصوصَ المكتوبة بقرون حيث تحول مفهوم الضيف في الوجدان الأردني من مجرد واجب اجتماعي عابر إلى عقيدة أمنية وسيادية ومنظومة قيمية راسخة تشابكت فيها حكمة القيادة الهاشمية مع أصالة الشعب الأردني ليغدو هذا الحمى العربي النبيل موطن الأنصار للأشقاء المهاجرين من شتى بقاع الأرض ورمزاً للضيافة العربية الأصيلة إلى يوم الدين وإن قراءة واقع الضيف المستجير في الأردن بأدوات علم الاجتماع السلوكي وربطها بلغة الأرقام والمؤشرات الدولية تكشف كيف تحولت الضيافة من طبع بدوي أصيل إلى استراتيجية دولة وصياغة عبقرية لهوية وطنية جامعة تفتح ذراعيها دائماً لمن تقطعت بهم السبل إذ لم يكن الأردن يوماً مجرد محطة جغرافية طارئة بل كان دائمًا الملاذ الآمن والعمق الاستراتيجي لإغاثة الملهوف وتجذر هذا المفهوم في الوجدان الأردني من خلال إرث من الأعراف والتقاليد التي لا ترى في المستجير عبئاً بل تراه واجباً مقدساً يتسابق الأردنيون للقيام به بهامات مرفوعة وقد صاغ الشاعر إبراهيم بن المهدي هذا الواقع قديماً بكلمات تختزل هيبة الموقف وعمق الالتزام بقوله
يا ضِيفَنَا لَوْ زُرْتَنَا لَوَجَدْتَنَا
نَحْنُ الضُّيُوفُ وَأَنْتَ رَبُّ الْمَنْزِلِ
وفي الموروث البدوي والشعبي الأصيل تكتسب حماية المستجير الدخيل أبعاداً صارمة وحماسية تجعل من الذود عن الضيف مسألة شرف ووجود يتسابق إليها الفرسان بالمهج والأرواح إذ يمنح العرف الضيف حماية مطلقة برادع قاطع يمنع المساس به ويجعل من الاعتداء على الضيف اعتداءً على كرامة المجتمع بأكمله كما يردد الموروث الأردني في لوعات النخوة والشهامة
حِنَّا لِيَا جَانَا الضَّوِيفِ نْهَلِّي
نِفْرِشْ لَهُ الْفَرْشَاتِ وَنْقُومْ بِالْوَاجِبْ
وَالطَّيِّبْ الَّي يَفْعَلْ الْجُودْ كِلِّي
يِبْقَى ثَنَاهْ بْبَاقِي الْأَجْيَالِ رَاكِـبْ
وهي ذات النخوة الحماسية التي تجعل الأردني يسترخص الروح ليبقى بيته مشرعاً ووجهه أبيض أمام الروع والخطوب كما قال الشاعر
وعبر عقود طويلة سبقت وتلت تأسيس الدولة الأردنية كان الأردن منارة وبيتاً آمناً لكل ضيف يسطر صفحات ناصعة في تاريخ الإنسانية والتعايش متحملاً التبعات بصلابة وشرف وتتوالى المشاهد التوثيقية لتدفق الشعوب والقبائل المهاجرة التي أصبحت اليوم جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي الأصيل للدولة الأردنية بدءاً من هجرات بلاد القوقاز من الشركس والشيشان والداغستان والارمن في العهد العثماني أواخر القرن الـ 19 التاسع عشر حيث احتضنتهم الأرض الأردنية وبنوا معاً أولى لبنات النهضة المدنية والمعمارية وصاروا نموذجاً في الولاء والبناء وجزءاً أصيلاً من هيبة الدولة وأمنها مروراً بالأرمن والأكراد وأحرار العرب ورجالات الثورة العربية الكبرى الذين أمّوا الأردن باعتباره قلب المشروع النهضوي العربي وصولاً إلى فتح البيوت والقلوب للأشقاء الفلسطينيين إبان نكبة عام 1948 ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين ونكسة عام 1967 ألف وتسعمائة وسبعة وستين حيث امتزج الدم بالدم وتقاسم الأهل اللقمة والدار ثم استضافة الأشقاء اللبنانيين والعراقيين وانتهاءً باحتضان أكثر من 1,300,000 مليون وثلاثمائة ألف شقيق سوري متقاسمين معهم شح المياه والموارد الشحيحة بكرم قل نظيره وهي مسيرة مرصعة بحكمة القيادة الهاشمية الأبرار من الملك المؤسس عبد الله الأول مروراً بالملك الباني الحسين بن طلال وصولاً إلى جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين الذين أرسوا قاعدة سياسية وأخلاقية ثابتة بأن الأردن كان وسيظل سنداً لأمتنا العربية وملاذاً لكل مستجير ولم تتوقف هذه العقيدة الإنسانية عند حدود الأدبيات الخطابية بل تُرجمت على أرض الواقع إلى أرقام وإحصائيات دولية تُبهر العالم حيث يُصنف الأردن في المرتبة الـ 2 الثانية عالمياً من حيث عدد اللاجئين والضيوف المستجيرين نسبة إلى عدد السكان وفقاً لبيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ويمثل غير الأردنيين من أكثر من 50 خمسين جنسية حوالي 30% ثلاثين بالمئة من إجمالي السكان المقيمين على أرض المملكة ورغم أن كلفة استضافة هؤلاء الضيوف تقتطع سنوياً مليارات الدولارات من موازنة الدولة للإنفاق على قطاعات التعليم والصحة والمياه والطاقة والبنية التحتية بحسب تقارير خطة الاستجابة الأردنية يظل الترحيب الشعبي والرسمي ثابتاً ومستقراً ومترفعاً عن المقايضات ويقف خلف هذه الأرقام رأس المال الاجتماعي الأردني كشبكة أمان غير رسمية صانت كرامة الملايين في المضافات والدواوين المنتشرة في كافة مدننا وقرانا وباديتنا والتي تعمل كمراكز إغاثية واجتماعية مفتوحة الأبواب على مدار الساعة محققة غياباً تاماً وبنسبة 0% صفر بالمئة للمجاعات أو الأزمات الغذائية الحادة بين مجتمعات الضيوف وهو ما يعكس كفاءة التكافل الاجتماعي الأهلي التي تعجز عنها أحياناً كبرى المؤسسات الدولية وينعكس مباشرة على تصنيف الأردن في التقارير الدولية حيث يتبأ باستمرار مراتب متقدمة في مؤشر منتدى الاقتصاد العالمي لحسن وفادة السكان المحليين تجاه الزوار الأجانب مما ساهم في جعل قطاع السياحة رافعة اقتصادية رئيسية ترفد الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 12% إلى 14% اثني عشر إلى أربعة عشر بالمئة وإن واقع الضيف في الأردن ليس مجرد أرقام تُحصى بل هو انعكاس لمفهوم الاتزان والمسؤولية الإنسانية والعروبية التي تميزت بها القيادة الهاشمية الفذة والتف حولها الشعب الأردني الوفي بجميع منابته وأصوله مؤكدين أن كرامة الإنسان تسمو فوق كل الحسابات الاقتصادية والسياسية الضيقة وفي عصرنا الحالي حيث تزداد النزعة الفردية عالمياً وتتراجع الروابط الإنسانية يظل النموذج الأردني في التعامل مع الضيف المستجير شاهداً حياً على إمكانية الموازنة بين الأصالة والمعاصرة ويحمل الأردنيون في كافة بقاع الأرض وعبر منصات الاغتراب هذه الجينات الثقافية كسفراء لقيم التسامح والوفاء والإغاثة الإنسانية فالضيف في الفهم الأردني ليس عابراً يطلب مأوى وطعاماً بل هو شريك في الدار والوجدان والأرقام الدولية والشواهد التاريخية تؤكد أن الأردن ورغم شح موارده وضيق إمكاناته المادية يمتلك المخزون الأكبر من رأس المال الأخلاقي والإنساني مما جعله وسيظل دائماً واحة الأمن للأنصار وبوابة الأمل للمهاجرين والرمز الأبهى للضيافة العربية الأصيلة إلى يوم الدين متجسداً في وقوفه الشامخ الذي يصدق فيه قول الشاعر
فعاش الأردن العظيم وطناً حراً للأحرار وعاش شعبه الأبي المرابط سياجاً منيعاً للحق والشهامة تحت ظل القيادة الهاشمية المباركة المظفرة منارةً للعروبة ورمزاً أبدياً للوفاء والنبل الإنساني دامت راياتنا تخفق بالعز والمجد ودام هذا الحمى العربي الأشم بيتاً لكل مستجير وضياءً يملأ الكون دفئاً وأماناً..