في ظل التسارع الدراماتيكي للأحداث في مطلع عام 2026، والتحول النوعي من "المواجهة العسكرية المباشرة" (التي بدأت في 28 فبراير 2026) إلى مرحلة "التعليق النشط" ووقف إطلاق النار الهش، يبرز تساؤل جوهري حول مآلات هذه الأزمة.
بناءً على تقارير مراكز الأبحاث العالمية (مثل Brookings، Chatham House، وCFR) وآراء الخبراء الدوليين، يمكن رسم خارطة الاتجاهات القادمة وفق التحليل المعمق التالي:
واقع "الجمود الاستراتيجي" (Stalemate)
يرى "ستيفن كوك" من مجلس العلاقات الخارجية (CFR) أن الأزمة تمر حالياً بمرحلة "رَمش العين" (Blink) من الجانبين. ترامب، رغم خطابه التصعيدي، مدد وقف إطلاق النار في أبريل 2026 لتجنب التورط في حرب استنزاف طويلة قد تؤثر على أسعار الطاقة عالمياً وعلى شعبيته مع اقتراب الانتخابات النصفية. وتتبنى إدارة ترامب استراتيجية "الدبلوماسية القسرية" (Coercive Diplomacy)، حيث تشترط رفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية مقابل "التزام نووي كامل" وتفكيك برنامج الصواريخ. اما إيران فهي تراهن طهران على "سلاح الجغرافيا" عبر إغلاق مضيق هرمز، وهي أوراق ضغط تجعل من التنازل المطلق أمراً مستبعداً في المدى القريب.
المسارات المحتملة: بين "الصفقة الكبرى" والتصعيد المؤجل تتأرجح التحليلات بين مسارين أساسيين:
أ. مسار الحل (الدبلوماسية القسرية المنتجة): تشير تقارير معهد تشاتام هاوس (Chatham House) إلى وجود رغبة براغماتية لدى ترامب لتحقيق "نصر دبلوماسي" سريع. وتلعب باكستان وعُمان دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر (مفاوضات إسلام آباد، أبريل 2026). ويرى خبراء ان هناك تقدم في ملفات "حرية الملاحة" وإعادة الإعمار، لكن العقدة تظل في "نسبة التخصيب النووي". يرى خبراء أن طهران قد تقبل بـ "تجميد" مقابل رفع الحصار الاقتصادي الخانق الذي يكبدها خسائر هائلة يومياً.
ب. مسار التصعيد (حافة الهاوية): يحذر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) من أن استنزاف مخزون الذخائر الاستراتيجية الأمريكية والضغط الإسرائيلي المستمر قد يدفع باتجاه "الحسم العسكري" إذا فشلت المفاوضات. وترى حكومة نتنياهو أن وقف العمليات العسكرية "سابق لأوانه" ما لم يتم القضاء نهائياً على التهديد النووي، مما قد يسبب صدعاً في التناغم الأمريكي-الإسرائيلي. اما إيران بعد فقدان القيادة العليا فيها يسعى الجناح المتشدد (الحرس الثوري) لإثبات الوجود عبر عمليات نوعية، مما قد يجر المنطقة لتصعيد غير محسوب.
وقد رصدت بعض الصحف ومراكز دراسات عالمية حالة عدم وضوح الرؤيا للمشهد الحالي وتاليا بعض الأمثلة التي إشارات على ذلك:
مؤسسة بروكينغز: تحذر من حرب استنزاف وترى ان ترامب لا يملك الصبر لحملة عسكرية طويلة الأمد.
نيويورك تايمز: تشير الى عدم دقة ترامب في تصريحاته حول تدمير القدرة العسكرية الإيرانية وترى ان إيران احتفظت بـ 60% من قدرات صواريخها، مما يعني أن الردع لم يكتمل.
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية: يشبر الى شرخ كبير في حلف شمال الأطلسي ويرى ان الأزمة كشفت فجوة بين واشنطن وأوروبا التي ترفض المغامرة العسكرية.
أين نتجه؟
الأزمة تتجه حالياً نحو "تسوية قسرية مؤجلة" أكثر من توجهها نحو انفجار شامل أو سلام دائم. الاقتصاد هو "الجنرال" الحقيقي في هذه المرحلة؛ والطاقة قد يشعل جمرها الأجواء في أي لحظة. فبينما تعاني إيران من حصار بحري خانق، يعاني ترامب من ضغوط الأسواق العالمية للطاقة. نحن أمام "استقرار سلبي"؛ حيث يخشى كل طرف تكلفة الخطوة التالية، مما يجعل الدبلوماسية هي الخيار الوحيد المتاح، ولكنها دبلوماسية تحت تهديد جمر الطاقة.
"السؤال ليس ما إذا كان سيحدث اتفاق، بل ما إذا كان هذا الاتفاق سيعيش طويلاً بما يكفي لمنع الجولة القادمة من الصدام." — مقتبس من تقرير مجلس العلاقات الخارجية، مايو 2026.